فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 207

(والله ذو الفضل العظيم) . .

وليس أعظم من نعمة النبوة والرسالة ; وليس أعظم من نعمة الإيمان والدعوة إليه . وفي هذا التلميح ما يستجيش في قلوب الذين آمنوا الشعور بضخامة العطاء وجزالة الفضل , وفي التقرير الذي سبقه عما يضمره الذين كفروا للذين آمنوا ما يستجيش الشعور بالحذر والحرص الشديد . .

وهذا الشعور وذاك ضروريان للوقوف في وجه حملة البلبلة والتشكيك التي قادها - ويقودها - اليهود , لتوهين العقيدة في نفوس المؤمنين , وهي الخير الضخم الذي ينفسونه على المسلمين ! (الظلال)

وفي الوسيط - (ج 1 / ص 179)

{ مَّا يَوَدُّ } أي: ما يحب ، إذ الود محبة الشيء مع تمنيه ، يقال: ود فلان كذا يوده ودًا ومودة بمعنى أحبه وتمناه .

قال صاحب الكشاف:"ومن الأولى في الآية للبيان ، لأن الذين كفروا جنس تحته نوعان ، أهل الكتاب والمشركون ، والثانية مزيدة لاستغراق الخير والثالثة لابتداء الغاية".

وقوله - تعالى -: { مَّا يَوَدُّ } . . إلخ الآية بيان لما يبيته الكافرون - خصوصًا اليهود - للمسلمين من حقد وكراهية وتحذير لهم من الاطمئنان إليهم ، والثقة بهم .

وفي التعبير بقوله تعالى: { مَّا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب } دون ما يود أهل الكتاب تنبيه إلى أنهم قد كفروا بكتبهم ، لأنهم لو كانوا مؤمنين بها لصدقوا محمدًا صلى الله عليه وسلم الذي أمرتهم كتبهم بصديقه واتباعه .

وعطف عليهم المشركين ليدل على أن عبدة الأصنام - أيضًا - يضاهون كفرة أهل الكتاب ، في كراهة نزول أي خير على المؤمنين ، وأن الجميع يحسدونهم على ما آتاهم الله من فضله عن طريق نبيه صلى الله عليه وسلم من دون قويم ، وقرآن كريم ، وهداية عظمى ، وأخوة شاملة ، وأمن بعد خنوف ، وقوة بعد ضعف .

والخير: النعمة والفضل ، والمراد به في الآية الكريمة النبوة وما تبعها من الوحي الصادق ، والقرآن العظيم المشتمل على الحكمة الرائعة والحجة البالغة والبلاغة الباهرة والتوجيه النافع .

وأهل الكتاب قد كرهوا ذلك للمؤمنين لعنادهم وحسدهم ، وكراهتهم أن تكون النبوة في رجل عربي ليس منهم .

والمشركون كرهوا ذلك - أيضًا - لأن في انتشار الإِسلام ، وفي تنزيل الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم ما يخيب آمالهم في إبطال الدعوة الإِسلامية ، وإضعاف شوكتها والنصر على أتباعها .

وقوله تعالى: { والله يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ والله ذُو الفضل العظيم } .

رد عليهم بما يكشف عن جهلهم وجهل جميع الحاسدين ، لأن الحاسد لغباوته يسخط على قدر الله ، ويعترض عليه لإِنعامه - سبحانه - على المحسود والله - تعالى - هو صاحب التصرف المطلق في الإِعطاء والمنع فكان من الواجب على هؤلاء الذين لا يودون أن ينزل أي خير على المؤمنين أن يريحوا أنفسهم من هذا العناء ، وأن يتحولوا عن ذلك الغباء ، لأن الله - تعالى - يهب خيره لمن يشاء .

والاختصاص بالشيء: الانفراد به ، تقول: اختص فلان بكذا أي انفرد به ، ويستعمل متعديًا إلى المفعول به ، فتقول: اخصصت فلانا بكذا أي أفردته به وجعلته مقصورًا عليه .

وعلى هذا الوجه ورد الاختصاص في الآية الكريمة .

وقدي - سبحانه - اختصاص رحمته بمن يشاء ليعلم الناس جميعًا ، أن إفراد بعض عباده بالرحمة منوط بمشيئته وحدها ، وليس لأحد كائنًا من كان أي تأثير في ذلك .

ومفعول المشيئة محذوف كما هو الشأن فيه إذا تقدم عليه كلام أو تأخر عنه . أي: يختص برحمته من يشاء اختصاصه بها ، وهي تتناول النبوة . والقرآن ، والنصر ، وكل ذلك مما لا يود الكافرون إنزاله على المؤمنين .

وقوله تعالى: { والله ذُو الفضل العظيم } تذييل لما سبق أي كل خير يناله العباد في دينهم أو دنياهم إنما هو من عنده - تعالى - يتفضل به عليهم ، وفي ذلك إشعار للحاسدين بأن يقلعوا عن حسدهم ، وتعريض باليهود وغيرهم ممن حسدوا محمدًا صلى الله عليه وسلم على أن آتاه الله النبوة ، فكأنه - سبحانه - يقول لهم: إني أصطفى للنبوة من أشاء من عبادي وهي لا تدرك بالأماني ، ولكني أهبها لمن هو أهل لها .

وبذلك تكون الآية الكريمة قد حذرت المؤمنين مما يبيته لهم الكافرون من حقد وبغضاء وبشرتهم بأن ما يبيتونه لن يضرهم ما داموا معتصمين بكتاب ربهم ، وسنة نبيهم .

عثمان بن جمعة ضميرية

الطائف

الخطبة الأولى

أما بعد:

فيقول الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين [المائدة 51] .

لقد قرر الله سبحانه وتعالى مبدأ الولاية بين المؤمنين ، وجعل بعضهم أولياء بعض ، يتناصرون ويتعاونون ويتعاضدون ، ويتحابون فيما بينهم بمقتضى ميثاق الأخوة الإيمانية: والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، وذلك لأن طبيعة المؤمن هي طبيعة الأمة المؤمنة المسلمة التي تتجمع وتتعاون لموجهة كل من يعارض الإسلام ويحارب المسلمين ويعاديهم .

والخروج عن هذا المبدأ الإسلامي الأصيل ثغرة في الإيمان ونقص ينبغي تداركه وإذا وصل إلى موالاة الأعداء ومحبتهم والتعاون معهم فإنه الخروج على قانون الإسلام أو الارتداد عنه .

ولذلك جاءت الآيات الكريمة ، يحذرنا الله فيها من أن نلقي بالمودة والمحبة إلى الكفار، أو أن نتخذهم أولياء لله دون المؤمنين حتى ولو كانوا أقرب الناس نسبا ، فقال سبحانه: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هو الظالمون [التوبة 23] ، يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة [الممتحنة 1] ، لا يتخذ المؤمنون الكافرون أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه و إلى الله المصير [آل عمران 28] .

والولاية التي نهى الله تعالى عنها تعني: التناصر والتحالف مع الكافرين ، ولا تتعلق بمعنى إتباعهم في دينهم ، فبعيد جدا أن يكون بين المسلمين من يميل إلى اتباع اليهود والنصارى في الدين ، فإن ذلك ردة صريحة وكفر واضح مستبين ، إنما هو ولاء التحالف والتناصر الذي قد يلتبس أمره على بعض المسلمين فيحسبونه جائزا بحكم ما يقع بين الناس من تشابك المصالح والأواصر .

ويرشدك إلى هذا المعنى أن الله تعالى أنزل على نبيه محمد صدر سورة الممتحنة في شأن حاطب بن أبي بلتعه ، وفيه نهى الله تعالى عن موالاة أعداء الله ، وما كان حاطبا متبعا للكافرين ، وإنما ألقى بشيء من أسرار النبي إلى الكفار بحكم ما كان بينه وبين القوم فأراد أن يصنع عندهم يدا ، فقد كان حاطب رجلا من المهاجرين ، وكان من أهل بدر وكان له بمكة أولاد ومال ، ولم يكن في قريش من أنفسهم ، بل كان حليفا ، ولما عزم النبي على فتح مكة أرسل إليهم الخبر خشية منه على أهل له بمكة،فكان ذلك موالاة لهم.

المؤمنون بعضهم أولياء بعض ، والكافرون بعضهم أولياء بعض مهما اختلفت مللهم وتباينت نحلهم ، وتعددت راياتهم ، ولن يهدأ لهم بال حتى يردوا المسلمين عن دينهم إن استطاعوا ، قال تعالى: ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم . وقال: ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم .

ويتفق موقف أهل الكتاب من اليهود والنصارى مع موقف المشركين تجاه الإسلام والمسلمين و الواقع التاريخي كله ،شاهد صادق على ذلك والأمثلة عليه تعز على الحصر ، وحسبنا أن الله سبحانه وتعالى أعلمنا بذلك فقال: ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ، وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلًا ولا ذمة .

ولذلك أيها المؤمنون: كان الإيمان هو الآصرة التي يتجمع حولها المسلمون ، وكانت كلمة التوحيد ، كلمة لا إله إلا الله هي الراية التي ينضمون تحتها ، وكانت كل دعوة عداها دعوة جاهلية منتنة ، ينبغي على المسلم أن لا يعبأ بها ولا ينتصر لها ، إن النسب المصلح أو الجنس أو الوطن أو القوم أو غير ذلك من الشارات والشعارات ينبغي أن تكون الدعوة إليه ، إن كانت على أساس أنه ينضوي ويدخل تحت راية لا إله إلا الله ، وإلا فإن الإسلام بريء من ذلك .

وقد قطع الله تعالى العلاقة بين نوح وابنه ، وبين نوح وزوجته ، وبين لوط وزوجته ، وبين إبراهيم وأبيه ، وبين محمد وأقرب الناس إليه ، لقد فرقت بينهم العقيدة .

أيها المسلمون:ولئن كانت كل صور المودة والولاء للكفار على ما سبق من التحرش ، ولئن كانت ولايتهم تعني التناصر معهم والتحالف ، فإن ذلك يتخذ في عصرنا الحاضر صورا شتى عند بعض الناس ، نجد أمثلة لها في أولئك القوم الذين هم من بني جلدتنا ويتكلمون لغتنا ويزعمون أنهم على ديننا ، ولكنهم صنيعة من صنائع الكفار ، صنعوهم على أعينهم ، وربوهم تربية غربية خالصة في التفكير والسلوك فكانوا نموذجا لطليعة التغريب وأمثلة للغزو الفكري وأداة التقريب بين الكفار والمسلمين ليتيح موقف المفاصلة وكسر الحاجز النفسي بين المسلمين والكفار ، وأداة لمحاربة العقيدة السمحة .

ونجد هذا الذي أشرنا إليه في مجالات كثيرة ، نجده في مجالات التربية والتعليم ، عند الذين يريدون لهذه الأمة أن تخضع لمناهج الغرب في التربية والثقافة ، ونجد في وسائل الإعلام المتنوعة التي تسبح باسم الحضارة الغربية وتمجدها ، وتجده أيضا في التلقي عن الكفار والترويج لأفكارهم وآرائهم .

كما تجده في نشر المذاهب العلمانية اللادينية والأفكار الجاهلية ، وفي تقليد الكفار في أمورهم التافهة التي تشغل الأمة عن معالي الأمور عن الجد والعمل النافع المثمر ، حتى لو دخلوا حجر ضب لدخلناه ، وهذا ما حذر منه النبي: (( لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة ولو دخلوا جحر ضب لدخلتموه ) )وهنا جملة أمور يجب التنبيه عليها ، ليتم لفاعلها مجانبته دين المشركين والبراءة منهم ، ليتحقق الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين:

الأمر الأول: ترك اتباع أهواء الكفار في قليل الأمر وكثيره ، وقد أمرنا الله تعالى بذلك فقال: ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك .

الأمر الثاني: معصيتهم فيما أمروا به ، لأن الله تعالى نهى عن طاعة الكافرين فقال: ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطًا .

والأمر الثالث: ترك الركون إلى الكفرة والظالمين حيث قال تعالى: ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون .

الأمر الرابع: ترك مودة أعداء الله: لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم .

الأمر الخامس: ترك التشبه بالكفار في الأفعال الظاهرة مما هو من خصائصهم ، لأن التشبه في الظاهر يورث نوع مودة ومحبة وموالاة في الباطن .

فيا أيها المسلمون: عودوا إلى أنفسكم وتلمسوا فيها الإيمان وحافظوا عليه ، فإن هذا الولاء لله وللمؤمنين ، والبراء من الكفر والشرك والكافرين والمشركين ، من لوازم التوحيد ومن مقتضيات العقيدة الإسلامية ، ومتابعة النبي ومحبته: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين .

نفعني الله وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم . .

إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء

قد يتساءل البعض لماذا يحرص المسلمون على قتال أعداءه من مشركين وملحدين وأهل

كتاب؟ أليس من الأفضل أن تقوم العلاقة بين المسلمين وغيرهم على أسس من المودة

والمحبة والسلام بدلًا من العداوة والحروب؟

والجواب عن ذلك أنه لا يمكن أن يحدث هذا لأسباب كثيرة منها:

-الصراع بين المسلمين وأعدائهم صراع عقدى، صراع بين الحق والباطل والخير والشر

والكفر والإيمان وهما ضدان ونقيضان لا يلتقيان ولا يجتمعان بحال من الأحوال. وبيان

ذلك على النحو التالى:

أولًا:

إن أهل الكفر حريصين أشد الحرص على فتنة المسلمين عن دينهم ما استطاعوا إلى ذلك

سبيلًا ، وبكل ما أوتوا من قوة وما يملكونه من وسيلة. يقول الله تعالى:

{ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم}

[البقرة: 105] .

ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارًا حسدًا من عند أنفسهم من

بعد ما تبين لهم الحق [البقرة: 109] .

{ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء...} [النساء: 89] .

{ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا..} [البقرة:217] .

ولهذا حرصت آيات القرآن على تحذير المؤمنين من طاعة عدوهم حتى لا يرتدوا على

أدبارهم فينقلبوا خاسرين:

{يأيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقًا من أهل الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين}

[آل عمران: 100] .

{يأيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين}

[آل عمران: 149] .

-ما في الباطل وأهله من طبيعة عدوانية وميل إلى البغى والعدوان ضد المسلمين بصورة

خاصة ؛ فهم في صراعهم مع المسلمين لا يلتزمون بمبدأ ولا يعترفون بقانون ولا يراعون

للمسلمين حرمة أو يلتزمون بعهد أو ميثاق وهذا أمر قد حرصت آيات القرآن على بيانه فى

أكثر من موضع في كتاب الله تعالى:

إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداءً ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو

تكفرون [الممتحنة: 2] .

كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلًا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم

وأكثرهم فاسقون. اشتروا بآيات الله ثمنًا قليلًا فصدوا عن سبيله إنهم ساء ما كانوا

يعملون لا يرقبون في مؤمن إلًا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون [براءة: 8 - 10] .

كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله وهم لا يعاهدونكم إلا في حال عجزهم عن

التغلب عليكم. ولو ظهروا عليكم لفعلوا بكم الأفاعيل في غير مراعاة لعهد قائم بينهم

وبينكم، وفى غير ذمة يرعونها لكم ؛ أو في غير تحرج ولا تذمم من فعل يأتونه معكم!

فهم لا يرعون عهدًا، ولا يقفون كذلك عند حد التنكيل بكم، ولا حتى عند الحدود

المتعارف عليها في البيئة والتى يذمون لو تجاوزوها. فهم لشدة ما يكنونه لكم من

البغضاء يتجاوزون كل حد في التنكيل بكم، لو أنهم قدروا عليكم. مهما يكن بينكم

وبينهم من عهود قائمة ؛ فصفة الاعتداء أصيلة فيهم.. تبدأ من نقطة كرههم للإيمان

ذاته وصدودهم عنه ؛ وتنتهى بالوقوف في وجهه ؛ وتربصهم بالمؤمنين؛ وعدم مراعاتهم

لعهد معهم ولا صلة، إذا ظهروا عليهم ؛ وأمنوا بأسهم وقوتهم. وعندئذ يفعلون بهم

الأفاعيل غير مراعين لعهد قائم، ولا متحرجين ولا متذممين من منكر يأتونه وهم آمنون.

إن المسلمين يواجهون أعداء يتربصون بهم ؛ ولا يقعد هؤلاء الأعداء عن الفتك

بالمسلمين بلا شفقة ولا رحمة إلا عجزهم عن ذلك. لا يقعدهم عهد معقود ولا ذمة مرعية

ولا تحرج من مذمة، ولا إبقاء على صلة، وليس هذا أمرًا عارضًا، أو شيئًا مؤقتًا،

وإنما هذا شأنهم دائمًا، وديدنهم مع أهل الحق في جميع العصور والأزمان وعلى مدار

التاريخ البشرى كله بلا استثناء!

ماذا صنع المشركون مع نوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، وشعيب، وموسى، وعيسى، عليهم

السلام والمؤمنين بهم في زمانهم ؛ ثم ماذا صنع المشركون مع محمد - صلى الله عليه

وسلم - والمؤمنين به كذلك.. إنهم لم يرقبوا فيهم إلاًّ ولا ذمة متى ظهروا عليهم

وتمكنوا منهم..

وماذا صنع المشركون أيام الغزو الثانى للشرك على أيدى التتار ثم ما يصنع المشركون

والملحدون اليوم بعد أربعة عشر قرنًا بالمسلمين في كل مكان.. إنهم لا يرقبون فيهم

إلاًّ ولا ذمة كما يقرر النص القرآنى الخالد

وهذه بعض الوقائع والأحداث التى كان المسلمون طرفًا ضعيفًا نرى من خلالها ماذا صنع

الكفار بالمسلمين حينما تمكنوا من رقابهم، وسنحرص على أن يكون اخنيارنا لأحداث وقعت

فى أوقات مختلفة من الزمان بقاع مختلفة من الأرض وسنرى من خلالها بأن الكفر كله ملة

واحدة وأنه يضرب المسلمين عن قوس واحدة، وأن هذا طبع وجبلة فيهم وليس أمرًا عارضًا:

-يصف المؤرخون اجتياح الصليبيين لبيت المقدس فيذكرون أمورًا تقشعر من هولها

الأبدان:

يقول ابن خلدون: استباح الفرنج بيت المقدس وأقاموا في المدينة أسبوعًا ينهبون

ويدمرون وأحصى القتلى بالمساجد فقط من الأئمة والعلماء والزهاد المجاورين فكانوا

سبعين ألفًا أو يزيدون.

ويقول ابن الأثير إن ريمون احتل عروة النعمان ولكن رجاله تركوها في 13/كانون

الثانى بعد أن قتلوا ما يزيد عن مائة ألف من أهلها وأسلموها للنار الكامل 10/190.

وقد قاومت المدينة المقدسة مدة شهر واحد سقطت بعدها في يد المهاجمين في 15 يوليه

سنة 1099م وبعد سقوطها حدثت مجزرة أليمة وحشية ذبح فيها الرجال والنساء والأطفال

من المسلمين واليهود والمسيحيين الذين لم ينضموا إلى الصليبيين ويصف ستان لويوف

هذه المجزرة بقوله: لم يكذب قومنا الصليبيون الأتقياء بالتدمير والتنكيل بل عقدوا

مؤتمرًا أجمعوا فيه على إبادة جميع سكان القدس من المسلمين واليهود وخوارج النصارى

الذين كان عدوهم 60 ألفًا فأفنوهم عن آخرهم في ثمانية أيام ولم يستثنوا منهم امرأة

ولا طفلًا ولا شيخًا.

وقتل الفرنج بالمسجد الأقصى ما يزيد على سبعين منهم جماعة كثيرة من أئمة المسلمين

وعلمائهم وعبادهم وزهادهم، ممن فارق الأركان وجاءه بذلك الموضع الشريف سنة 492هـ

الكامل في التاريخ لابن الأثير

هذه صورة من الواقع التاريخى، حينما ظهر المشركون على المسلمين فلم يرقبوا فيهم

إلا ولا ذمة. فهل كانت صورة تاريخية من الماضى البعيد الموغل في الظلمات، اختص بها

التتار في ذلك الزمان؟

كلا! إن الواقع التاريخى، الحديث لا تختلف صوره عن هذه الصورة!.. إن ما وقع من

الوثنيين الهنود عند انفصال باكستان لا يقل شناعة ولا بشاعة عما وقع من التتار فى

ذلك الزمان البعيد.. إن ثمانية ملايين من المهاجرين المسلمين من الهند -ممن أفزعتهم

الهجمات البربرية المتوحشة على المسلمين الباقين في الهند فآثروا الهجرة على

البقاء- قد وصل منهم إلى أطراف باكستان ثلاثة ملايين فقط! أما الملايين الخمسة

الباقية فقد قضوا بالطريق.. طلعت عليهم العصابات الهندية الوثنية المنظمة المعروفة

للدولة الهندية جيدًا والتى يهيمن عليها ناس من الكبار في الحومة الهندية، فذبحتهم

كالخراف على طول الطريق، وتكت جثثهم نهبًا للطير والوحوش، بعد التمثيل بها ببشاعة

منكرة، لا تقل -إن لم تزد- على ما صنعه التتار بالمسلمين من أهل بغداد!.. أما

المأساة البشعة المروعة المنظمة فكانت في ركاب القطار الذى نقل الموظفين المسلمين

فى أنحاء الهند إلى باكستان، حيث تم الاتفاق على هجرة من يريد الهجرة من الموظفين

المسلمين في دوائر الهند إلى باكستان واجتمع في هذا القطار خمسون ألف موظف.. ودخل

القطار بالخمسين ألف موظف في نفق بين الحدود الهندية الباكستانية يسمى( ممر خيبر

).. وخرج من الناحية الأخرى وليس به إلا أشلاء ممزقة متناثرة في القطار!.. لقد

أوقفت العصابات الهندية الوثنية المدربة الموجهة، القطار في النفق. ولم تسمح له

بالمضى في طريقه إلا بعد أن تحول الخمسون ألف موظف إلى أشلاء ودماء!.. وصدق قول

الله سبحانه: {كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة} .. وما تزال هذه

المذابح تتكرر في صور شتى.

ثم ماذا فعل خلفاء التتار في الصين الشيوعية وروسيا الشيوعية بالمسلمين هناك؟..

لقد أبادوا من المسلمين في خلال ربع قرن ستة وعشرين مليونًا.. بمعدل مليون فى

السنة.. وما تزال عمليات الإبادة ماضية في الطريق.. ذلك غير وسائل التعذيب الجهنمية

التى تقشعر لهولها الأبدان. وفى هذا العام وقع في القطاع الصينى من التركستان

المسلمة ما يغطى على بشاعات التتار.. لقد جئ بأحد الزعماء المسلمين، فحفرت له حفرة

فى الطريق العام. وكلف المسلمون تحت وطأة التعذيب والإرهاب، أن يأتوا بفضلاتهم

الآدمية( التى تتسلمها الدولة من الأهالى جميعًا لتستخدمها في السماد مقابل ما

تصرفه لهم من الطعام!!! )فيلقوها على الزعيم المسلم في حفرته.. وظلت العملية ثلاثة

أيام والرجل يختنق في الحفرة على هذا النحو حتى مات!

كذلك فعلت يوغسلافيا الشيوعية بالمسلمين فيها. حتى أبادت منهم مليونًا منذ الفترة

التى صارت فيها الشيوعية بعد الحرب العالمية الثانية إلى اليوم. وما تزال عمليات

الإبادة والتعذيب الوحشى -التى من أمثلتها البشعة إلقاء المسلمين رجالًا ونساء فى

(( مفارم ) )اللحوم التى تصنع لحوم (( البولوبيف ) )ليخرجوا من الناحية الأخرى

عجينة من اللحم والعظام والدماء- ماضية إلى الآن!!!

وما يجرى في يوغسلافيا يجرى في جميع الدول الشيوعية والوثنية الآن في هذا الزمان..

ويصدق قول الله سبحانه: {كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة} .

{لايرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون}

إنها لم تكن حالة طارئة ولا وقتية في الجزيرة العربية ولم تكن حالة طارئة ولا

وقتية في بغداد.. إنها الحالة الدائمة الطبيعية الحتمية ؛ حيثما وجد مؤمنون يدينون

بالعبودية لغير الله. في كل زمان وفى كل مكان.

نشرت جريدة أزفستيا في عددها الصادر في 15 يولية سنة 1922 تقريرًا للرفيق كالنين

عن مجاعة القرم ( نتيجة لنقل الروس ما في الجزيرة من أقوات ليضطروهم إلى التسليم )

بلغ الذين أصابتهم محنة الجوع في شهر يناير 000ر302 مات منهم 413 ر14.

وارتفع عددهم في مارس إلى 000ر379 مات منهم 902ر19.

وبلغ عددهم في إبريل000ر377 مات منهم 754ر12.

وبلغ عددهم في يونيو 072ر392 ( ولم يذكر كم مات في هذا الشهر )

وقد كان عدد سكان القرم في سنة 1917 خمسة ملايين... فبلغوا في سنة 1940 000ر400

فقط وهذا ما يقل عن عشر السكان.

وكانت المساجد 1558 مسجدًا ولم يبق منها إلا عشرات!!

لجأت الثورة الشيوعية بعد أن استتب لها الأمر، إلى نفى شعوب بأكملها، ليحل محلها

الروس... وفى بيان لوكيل الجامع الأزهر ورئيس جماعة الكفاح الإسلامى أرسل إلى الأمم

المتحدة أن بعض المهاجرين من الحكم البلشفى الغاشم قدموا بعض الحقائق نذكر منها:

أ - في التركستان وحدها، قتل الشيوعيون سنة 1934 مائة ألف مسلم.. ومات ثلاثة

ملايين جوعًا نتيجة استيلاء الروس على محاصيلهم وإعطائها للصليبين ليحلوا محلهم.

وفيما بين سنة 1937 - 1939 ألقت القبض على 500 ألف مسلم أعدمت منهم فريقًا، ونفت

الباقى.

وقتلوا من رجال الدين: الشيخ برهان الدين البخارى قاضى القضاة، والشيخ خان مروان

مفتى بخارى، والشيخ عبد المطلب داملا، والشيخ محسوم متولى، والشيخ عبد الأحد

دارخان، والشيخ الحاج ملا يعقوب، والشيخ ملا عبد الكريم.. وغيرهم كثيرون...

ومن الساسة: خدمة نياز رئيس جمهورية، ومولانا ثابت رئيس الوزراء وشريف حاج قائد

مقاطعة آلتا، وعثمان اوراز قائد مقاطعة كاشغو ويونس بك وزير الدولة والحاج أبو محسن

وزير التجارة، وطاهر بك رئيس مجلس النواب، وعبد الله دلملا وزير الأشغال.

وفى سنة 1949 هرب 2000 شخص منهم 1200 لقوا حتفهم في الطريق.

وفى سنة 1950، هرب 20000 مسلمًا.. وقتلت روسيا سبعة آلاف!!!

قتلوا...

سنة 1921 100000 مسلم جوعًا.

سنة 1928 قتلوا ولى إبراهيم رئيس الجمهورية مع وزرائه.

سنة 1930 قتلوا محمد قوباشى رئيس الجمهورية وجميع وزرائه.

سنة 1937 قتلوا إلياس طرحان رئيس الجمهورية وجميع وزرائه بعد استدعائهم إلى

موسكو أثناء محاكمة المارشال تحاتشنفسكى

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وبعد:ـ

إن المرجع الأساس للأمة الإسلامية في تعاملها مع البشر كافة إنما هو كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وان المنهل الذي تنهل منه أحكامها إنما هو شرع ربنا جل جلاله فإذا كان الأمر قد ورد في كتاب الله وسنة نبيه فعندها ينتفي الخيار للمؤمن ولا يصح للمسلم إلا الالتزام بما ورد؛ فقال تعالى (( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ) )وعلى مر الزمان والعصور ما كان المسلمون ملتزمين بهذا النهج إلا علو وارتقوا فوق كل الأمم وما زاغوا وضلوا عن هذا الصراط إلا ذلوا وانحطوا وأصبحوا في ذيل الأمم وبهذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم (( تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وسنتي ) )والذي ينظر في أيامنا هذه إلى واقع الأمة الإسلامية يعلم يقينا أن الأمة بعيدة كل البعد عن ذلك المنهج مخالفة كل المخالفة لأمر ربها ورسولها 0

عباد الله: أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الأمة في آخر الزمان ستترك أمر ربها وستلحق بالأمم السابقة تبعا لها في أخلاقها وحضارتها واقتصادها وجميع شؤون حياتنا فقال عليه الصلاة والسلام (( لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا حجر ضب لدخلتموه وراءهم قالوا يا رسول الله:اليهود والنصارى ؟ قال فمن إذن ! ) )ومن هنا يتبين لنا كيف أصبحت الأمة مقلدة لليهود وللنصارى في شتى السبل وفي كل الميادين

حتى أصبح المسلم من أصغر شؤون حياته إلى أكبرها ينظر إلى هؤلاء القوم فيحذوا حذوهم ويسير على دربهم 0

فها هي الأمة في اقتصادها تغرق بالربا الذي حرمه الله تعالى وأعلن الحرب على القائمين به ولكنها تبعية لليهود والنصارى وها هي الأمة تغرق في بحور الخمور والسفور والتبرج للمسلمات رغم تحريم شرعها لكل ذلك ولكنها تبعية الغرب حتى وصل الأمر بالبعض أنه أصبح إذا يريد حلاقة رأسه لا بد أن يتشبه بذلك الرجل الغربي ناهيك عن شربه ولبسه وأكله ونومه حتى وصل الأمر ببعض الناس إلى تقليدهم بمعاشرتهم لأزواجهم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم 0

أخوة الإسلام:إن هذه التبعية للغرب والبعد عن النبع الأصيل من ديننا؛ جرأ هؤلاء الكافرين إلى التدخل في جميع شؤون حياتنا بكل وقاحة ودونما رادع يردعهم ، ولما

أصبحوا يعلمون مكمن القوة للأمة بدأوا يحاربونها في مواطن في مواطن قوتها الأصلية ، بداية من تربيتها على عقيدتها إلى التزامها بسلوكها وعاداتها0 فها هو السيد الغربي يطلق أوامره لمأجوريه في جميع أنحاء الأمة الإسلامية أن عليها تغيير مناهجها الدراسية لأن هذه المناهج لا تعجبه ولا يرى فيها التربية اللازمة لتركيع الأجيال القادمة أكثر فأكثر ، وهذا ليس غريبا علىعدو يعرف فراغ أمته وتفاهتها في مقابل أمة صاحبة رسالة, ولا بد لها أن تصحوا من جديد 0 وأخبر الله تعالى عن هذه الإرادة لهذا العدو منذ القدم فقال الله تعالى (( ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء ) )بل انهم لا يحبون الخير للأمة الإسلامية أبدا ويستكثرون عليها ما في أيديها من رزق الله ويحسدونها على دينها فقال تعالى (( ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم ) )وقال الله تعالى (( ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق ) ).

أخوة الإسلام: ما زال هؤلاء المجرمين يضغطون ويشددون على الأمة حتى تتنازل عن أمور دينها واحدا تلو الآخر وما زال في الأمة من مرضى النفوس وضعافها من يستجيب لهؤلاء الكفرة رغبة أو رهبة حتى وصل الأمر بالمجرمين ومنافقيهم إلى الدعوة إلى توحيد الأديان والتدخل بآيات كتاب ربنا وعدد المصاحف التي يجب أن تطبع في السنة للمسلمين وتحديدها؛ وهذا أمر أخواني في الله ليس بالجديد على هذه الأمة بل أن المشركين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كانوا قد عرضوا عليه مرارا وتكرارا أن يعبدوا إلهه يوما ويعبدوا آلهتهم يوما وهي فكرة توحيد الأديان التي يدعون إليها في هذا الزمن إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم ما جامل أحدا في هذا الموضوع وما تنازل عن أصغر أمر من أمور العقيدة والدين حتى نزل قول الله تعالى (( قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد 000 ) )فأين هؤلاء الذين ينطقون بلسان عدونا فيجرمون المجاهدين ويطاردون المخلصين ويضيقون على الدعاة والمصلحين أين هؤلاء من ثبات النبي صلى الله عليه وسلم في وجه المشركين وعدم تنازله عن أصغر أمور دينه لا بالترغيب ولا بالترهيب 0 ألم يقل الله تعالى (( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق ، يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون ) )ألم يسمع هؤلاء القوم إلى ما سبق من قول الله تعالى وحقيقة موقفهم منا ؟! ولماذا يصر هؤلاء على تجميل صورة عدونا في نظر الناس ,رغم أن هذا العدو يعلن عداءه للأمة دونما خجل أوعمل حساب لخاطر أحد وإن نافق المنافقون وتملق المتملقون، أم يستحي هؤلاء من موقفهم من الهوان لدرجة أن يكذبهم من ينافقون لأجله ويعلن زيف اقوالهم أمام شعوبهم بإظهاره حقيقة نواياه تجاه الأمة وتصوره لها دون مراء أو حياء.

عباد الله: إذا كان الله سبحانه وتعالى هو الذي خلق الخلق يخبرنا ويعلمنا كيف التعامل مع هؤلاء الأعداء وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم الذي أرسل رحمة للعالمين تعامل معهم وفق منهاج ربه ، أفيكون منا والعياذ بالله من هو اتقى وأحرص على الأمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟! أو كما قال الله تعالى في وصف الكافرين (( قل ءأنتم أعلم أم الله ) )، وماذا بقي لأعدائنا ألا يلقوننا إياه ، إذا وصل الأمر إلى عقيدتنا وديننا وأوقات عبادتنا وتحديد كل شيء لنا في أمور ديننا أما يكفي الأمة ما تجرعت من ويلات تبيعتها لأعدائنا أما كفاها تدهور حالها وفقدانها لكل مقومات قوتها بانجرارها وراء المتربصين بها ، وواعجبا لأمة أصبح الشريف والأمين فيها منبوذا وصار الوضيع والسارق مرموق المكانة وقد أخبر الله تعالى واصفا هذا الحال المنقلب لأهل الطهارة وأهل الفجور متمثلا في قوم لوط فقال على لسانهم (( أخرجوهم من قريتكم انهم أناس يتطهرون ) )؛ وينطبق على حال الأمة في هذه الأيام قول الشاعر:-

دهرا علا قدر الوضيع به وترى الشريف يحطه شرفه

كالبحر ترسو لآلئه سفلا وتعلو فوقه جيفة

أمة الإسلام: ماذا بقي لأعدائنا أن يتركوه لنا وهاهم يصدرون الأوامر والتعليمات ويعدون القوائم بأسماء المطلوبين والإرهابيين كما يزعمون ؛ والحسرة أنه يوجد في الأمة من هو مستعد للقيام بواجبه طبعا إرضاء لهؤلاء المجرمين ؛ كما هو الحال في كل زمان ومكان ,عدو يخطط ويأمر ومأجور منافق ينفذ ويطبق ولكن الله تعالى بالمرصاد وهو وحسبنا في الكافرين وولينا على المؤمنين .

عباد الله مخطئ كل الخطأ من يظن أن عدوه يريد به خيرا أو يضمر له حسنا والله سبحانه وتعالى يخبر في كتابه عنهم بقوله (( ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلوكم وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون ) )وهم الذين قال الله تعالى عنهم (( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون ) )

فأين أنتم يا من تعقلون ؟! هل بعد هذا البيان بيانا ؟ أي حجة للمدافعين عن نوايا أعدائنا أمام الله والناس ؟ وما هو المنطق الذي يسيّرون الأمة به ؟ إذا كان قول الله تعالى خالقهم مخالفا لهم ! ، هل أصبح قادة أعدائهم آلهة لهم يشرعون لهم ويحللون ويحرمون لهم فانطبق عليهم قول الله تعالى (( هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بيّن فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ) )وصدق فيهم قول الله تعالى (( أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما بين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم ) )فاللهم لا تجعلنا ممن يصدون عنك وعن كتابك واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

وقال تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } (109) سورة البقرة

وذلك ما يفعله الحقد اللئيم بالنفوس . .

الرغبة في سلب الخير الذي يهتدي إليه الآخرون . .

لماذا ? لا لأن هذه النفوس الشريرة لا تعلم . ولكنها لأنها تعلم !

(حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق) . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت