ولكن هذا كله يتوقف على اليقين . يتوقف على الثقة التي لا يخامرها شك ; ولا يخالطها قلق , ولا تتسرب إليها ريبة . وحين يستيقن القلب ويستوثق يعرف طريقه , فلا يتلجلج ولا يتلعثم ولا يحيد . وعندئذ يبدو له الطريق واضحًا , والأفق منيرًا , والغاية محددة , والنهج مستقيمًا . وعندئذ يصبح هذا القرآن له نورًا وهدى ورحمة بهذا اليقين . ( الظلال)
وفي أضواء البيان - (ج 7 / ص 299)
الإشارة في قوله { هذا } للقرآن العظيم .
والبصائر جمع بصيرة والمراد بها البرهان القاطع الذى لا يترك في حق لسبًا كقوله تعالى: { قُلْ هذه سبيلي أَدْعُو إلى الله على بَصِيرَةٍ } [ يونس: 108 ] أي على علم ودليل واضح .
والمعنى أن هذا القرآن براهين قاطعة ، وأدلة ساطعة ، على أن الله هو المعبود وحده ، وأن ما جاء به محمد حق .
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن القرآن بصائر للناس جاء مضحًا في مواضع أخر من كتاب الله كقوله تعالى في أخريات الأعراف { قُلْ إِنَّمَآ أَتَّبِعُ مَا يوحى إِلَيَّ مِن رَّبِّي هذا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } [ الأعراف: 203 ] وقوله تعالى في الأنعام { قَدْ جَآءَكُمْ بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ } [ الأنعام: 104 ] وما تضمنته آية الجاثية من أن القرآن بصائر وهدى ورحمة ، ذكر تعالى مثله في سورة القصص عن كتاب موسى الذي هو التوراة في قوله تعالى: { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب مِن بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا القرون الأولى بَصَآئِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } [ القصص: 43 ] .
وما تضمنته آية الجاثية هذه من كون القرآن هدى ورحمة جاء موضحًا في غير هذا الموضع .
أما كونه هدى فقد ذكرنا الآيات الموضحة قريبًا .
وأما كونه رحمة فقد ذكرنا الآيات الموضحة له في الكهف في الكلام على قوله تعالى { فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَآ آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا } [ الكهف: 65 ] ، وفى أولها في الكلام على قوله تعالى { الحمد لِلَّهِ الذي أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب } [ الكهف: 1 ] . وفى فاطر في الكلام على قوله تعالى { مَّا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا } [ فاطر: 2 ] . وفى الزخرف في الكلام على قوله: { أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّك } [ الزخرف: 32 ] الآية .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة { لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ } أي لأنهم المنتفعون .
وفى هذه الآية الكريمة سؤال عربى معروف .
وهو أن المبتدأ الذى هو قوله { هذا } اسم إشارة إلى مذكر مفرد ، والخبر الذى هو بصائر جمع مكسر مؤنث .
فيقال: كيف يسند الجمع المؤنث المكسر الى المفرد المذكر؟
والجواب: أن مجموع القرآن كتاب واحد ، تصح الإشارة إليه بهذا ، وهذا الكتاب الواحد يشتمل على براهين كثيرة ، فصح إسناد البصائر إليه لاشتماله عليها كام لا يخفى .
قال تعالى: { ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} (2) سورة البقرة
الهدى حقيقته , والهدى طبيعته , والهدى كيانه , والهدى ماهيته . .
ولكن لمن ?
لمن يكون ذلك الكتاب هدى ونورا ودليلا ناصحا مبينا ? . . للمتقين . . فالتقوى في القلب هي التي تؤهله للانتفاع بهذا الكتاب . هي التي تفتح مغاليق القلب له فيدخل ويؤدي دوره هناك . هي التي تهيء لهذا القلب أن يلتقط وأن يتلقى وأن يستجيب .
لا بد لمن يريد أن يجد الهدى في القرآن أن يجيء إليه بقلب سليم . بقلب خالص . ثم أن يجيء إليه بقلب يخشى ويتوقى , ويحذر أن يكون على ضلالة , أو أن تستهويه ضلالة . . وعندئذ يتفتح القرآن عن أسراره وأنواره , ويسكبها في هذا القلب الذي جاء إليه متقيا , خائفا , حساسا , مهيأ للتلقي .
ورد أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - سأل أبي بن كعب عن التقوى فقال له:أما سلكت طريقا ذا شوك ? قال بلى !
قال:فما عملت ?
قال: شمرت واجتهدت . قال: فذلك التقوى . . فذلك التقوى . . حساسية في الضمير , وشفافية في الشعور , وخشية مستمرة , وحذر دائم , وتوق لأشواك الطريق . .
طريق الحياة . .
الذي تتجاذبه أشواك الرغائب والشهوات , وأشواك المطامع والمطامح , وأشواك المخاوف والهواجس , وأشواك الرجاء الكاذب فيمن لا يملك إجابة رجاء , والخوف الكاذب ممن لا يملك نفعا ولا ضرا . وعشرات غيرها من الأشواك ! (الظلال)
وفي تفسير الألوسي - (ج 1 / ص 94)