ومنهم من فسر قوله - تعالى - { لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ . . . } أى: ليحدسونك عن طريق النظر الشديد بعيونهم . .
قال الإِمام ابن كثير: وقوله: { وَإِن يَكَادُ الذين كَفَرُواْ لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ } قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: { لَيُزْلِقُونَكَ } : لينقذونك بأبصارهم ، أى: لَيعَينوك بأبصارهم ، بمعنى ليحسدونك لبغضهم إياك ، لولا وقاية الله لك ، وحمايتك منهم .
وفى هذه الآية دليل على أن العين إصابتها وتأثيرها حق بأمر الله - عز وجل - ، كما وردت بذلك الأحاديث المروية من طرق متعددة كثيرة .
ثم ساق - رحمه الله - جملة من الأحاديث في هذا المعنى ، منها ما رواه أبو داود في سننه ، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا رقية إلا من عين أو حُمَه - أى: سم - ، أودم لا يرقأ"
وروى الإمام مسلم في صحيحه عن ابن عباس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"العين حق ، ولو كان شئ سابَق القدر سَبَقَت العين".
وعن ابن عباس - أيضا - قال:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين فيقول:"أعيذ كما بكلمات الله التامة ، من كل شيطان وهامة - والهامة كل ذات سم يقتل - ، ومن كل عين لامة"".
وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"العين حق حتى لتورد الرجل القبر ، والجمل القدر ، وإن أكثر هلاك أمتى في العين".
قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ } (26) سورة فصلت
ولقد كان كبراء قريش يقولون للجماهير: (لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون) . . وكانت هذه المقالة تدل على الذعر الذي تضطرب به نفوسهم ونفوس أتباعهم من تأثير هذا القرآن ; وهم يرون هؤلاء الأتباع كأنما يسحرون بين عشية وضحاها من تأثير الآية والآيتين , والسورة والسورتين , يتلوهما محمد ابن عبد الله صلى الله عليه وسلم فتنقاد إليه النفوس , وتهوى إليه الأفئدة .
ولم يقل رؤساء قريش لأتباعهم وأشياعهم هذه المقالة , وهم في نجوة من تأثير هذا القرآن . فلولا أنهم أحسوا في أعماقهم هزة روعتهم ما أمروا هذا الأمر , وما أشاعوا في قومهم بهذا التحذير , الذي هو أدل من كل قول على عمق التأثير !
قال ابن إسحاق:حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري أنه حدث:أن أبا سفيان بن حرب , وأبا جهل بن هشام , والأخنس بن شريق بن عمر بن وهب الثقفي حليف بني زهرة . . خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي من الليل في بيبته . فأخذ كل رجل منهم مجلسا يستمع فيه , وكل لا يعلم بمكان صاحبه , فباتوا يستمعون له , حتى إذا طلع الفجر تفرقوا , فجمعهم الطريق , فتلاوموا , وقال بعضهم لبعض:لا تعودوا , فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئا ! ثم انصرفوا . حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه , فباتوا يستمعون له , حتى إذا طلع الفجر تفرقوا , فجمعهم الطريق , فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة ! ثم انصرفوا . . حتى إذا كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه , فباتوا يستمعون له , حتى إذا طلع الفجر تفرقوا , فجمعهم الطريق , فقال بعضهم لبعض:لا نبرح حتى نتعاهد ألا نعود ! فتعاهدوا على ذلك , ثم تفرقوا .
"فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه . ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته , فقال:أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد . فقال:يا أبا ثعلبة , والله لقد سمعت أشياء أعرفها , وأعرف ما يراد بها ; وسمعت أشياء ما عرفت معناها , ولا ما يراد بها . قال الأخنس:وأنا والذي حلفت به ."
"قال:ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل , فدخل عليه بيته , فقال:يا أبا الحكم , ما رأيك فيما سمعت من محمد ? فقال:ماذا سمعت ?! تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف . أطعموا فأطعمنا , وحملوا فحملنا , وأعطوا فأعطينا , حتى إذا تجاثينا على الركب , وكنا كفرسي رهان , قالوا:منا نبي يأتيه الوحي من السماء . فمتى ندرك مثل هذه ? والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه !!"
"قال:فقام عنه الأخنس وتركه".
فهكذا كانوا يغالبون أنفسهم أن تهفو إلى هذا القرآن فتغلبهم , لولا أن يتعاهدوا وهم يحسون ما يتهدد زعامتهم , لو اطلع عليهم الناس , وهم مأخوذون شبه مسحورين !
وإن في القرآن من الحق الفطري البسيط , لما يصل القلب مباشرة بالنبع الأصيل , فيصعب أن يقف لهذا النبع الفوار , وأن يصد عنه تدفق التيار . وأن فيه من مشاهد القيامة , ومن القصص , ومن مشاهد الكون الناطقة , ومن مصارع الغابرين , ومن قوة التشخيص والتمثيل , لما يهز القلوب هزا لا تملك معه قرارا .
وإن السورة الواحدة لتهز الكيان الإنساني في بعض الأحيان , وتأخذ على النفس أقطارها ما لا يأخذه جيش ذو عدة وعتاد !!