فهرس الكتاب

الصفحة 139 من 207

قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ} (100) سورة آل عمران

لقد جاءت هذه الأمة المسلمة لتنشىء في الأرض طريقها على منهج الله وحده , متميزة متفردة ظاهرة . لقد انبثق وجودها ابتداء من منهج الله ; لتؤدي في حياة البشر دورا خاصا لا ينهض به سواها . لقد وجدت لإقرار منهج الله في الأرض , وتحقيقه في صورة عملية , ذات معالم منظورة , تترجم فيها النصوص إلى حركات وأعمال , ومشاعر وأخلاق , وأوضاع وارتباطات .

وهي لا تحقق غاية وجودها , ولا تستقيم على طريقها , ولا تنشىء في الأرض هذه الصورة الوضيئة الفريدة من الحياة الواقعية الخاصة المتميزة , إلا إذا تلقت من الله وحده , وإلا إذا تولت قيادة البشرية بما تتلقاه من الله وحده . قيادة البشرية . . لا التلقي من أحد من البشر , ولا اتباع أحد من البشر , ولا طاعة أحد من البشر . . إما هذا وإما الكفر والضلال والانحراف . .

هذا ما يؤكده القرآن ويكرره في شتى المناسبات . وهذا ما يقيم عليه مشاعر الجماعة المسلمة وأفكارها وأخلاقها كلما سنحت الفرصة . . وهنا موضع من هذه المواضع , مناسبته هي المناظرة مع أهل الكتاب , ومواجهة كيدهم وتآمرهم على الجماعة المسلمة في المدينة . . ولكنه ليس محدودا بحدود هذه المناسبة , فهو التوجيه الدائم لهذه الأمة , في كل جيل من أجيالها . لأنه هو قاعدة حياتها , بل قاعدة وجودها .

لقد وجدت هذه الأمة لقيادة البشرية . فكيف تتلقى إذن من الجاهلية التي جاءت لتبدلها ولتصلها بالله , ولتقودها بمنهج الله ? وحين تتخلى عن مهمة القيادة فما وجودها إذن , وليس لوجودها - في هذه الحال - من غاية ?!

لقد وجدت للقيادة:قيادة التصور الصحيح . والاعتقاد الصحيح . والشعور الصحيح . والخلق الصحيح . والنظام الصحيح . والتنظيم الصحيح . . وفي ظل هذه الأوضاع الصحيحة يمكن أن تنمو العقول , وأن تتفتح , وأن تتعرف إلى هذا الكون , وأن تعرف أسراره , وأن تسخر قواه وطاقاته ومدخراته . . ولكن القيادة الأساسية التي تسمح بهذا كله وتسيطر على هذا كله , وتوجهه لخير البشر لا لتهديدهم بالخراب والدمار , ولا لتسخيره في المآرب والشهوات . . ينبغي أن تكون للإيمان , وأن تقوم عليها الجماعة المسلمة , مهتدية فيها بتوجيه الله . لا بتوجيه أحد من عبيد الله .

وهنا في هذا الدرس يحذر الأمة المسلمة من اتباع غيرها , ويبين لها كذلك طريقها لإنشاء الأوضاع الصحيحة وصيانتها . ويبدأ بتحذيرها من اتباع أهل الكتاب , وإلا فسيقودونها إلى الكفر لا مناص .

(يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين . وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ? ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم)

إن طاعة أهل الكتاب والتلقي عنهم , واقتباس مناهجهم وأوضاعهم , تحمل ابتداء معنى الهزيمة الداخلية , والتخلي عن دور القيادة الذي من أجله أنشئت الأمة المسلمة . كما تحمل معنى الشك في كفاية منهج الله لقيادة الحياة وتنظيمها والسير بها صعدا في طريق النماء والارتقاء . وهذا بذاته دبيب الكفر في النفس , وهي لا تشعر به ولا ترى خطره القريب .

هذا من جانب المسلمين . فأما من الجانب الآخر , فأهل الكتاب لا يحرصون على شيء حرصهم على إضلال هذه الأمة عن عقيدتها . فهذه العقيدة هي صخرة النجاة ; وخط الدفاع , ومصدر القوة الدافعة للأمة المسلمة . وأعداؤه يعرفون هذا جيدا . يعرفونه قديما ويعرفونه حديثا , ويبذلون في سبيل تحويل هذه الأمة عن عقيدتها كل ما في وسعهم من مكر وحيلة , ومن قوة كذلك وعدة . وحين يعجزهم أن يحاربوا هذه العقيدة ظاهرين يدسون لها ماكرين . وحين يعييهم أن يحاربوها بأنفسهم وحدهم , يجندون من المنافقين المتظاهرين بالإسلام , أو ممن ينتسبون - زورا - للإسلام , جنودا مجندة , لتنخر لهم في جسم هذه العقيدة من داخل الدار , ولتصد الناس عنها , ولتزين لهم مناهج غير منهجها , وأوضاعا غير أوضاعها , وقيادة غير قيادتها . .

فحين يجد أهل الكتاب من بعض المسلمين طواعية واستماعا واتباعا , فهم ولا شك سيستخدمون هذا كله في سبيل الغاية التي تؤرقهم , وسيقودونهم ويقودون الجماعة كلها من ورائهم إلى الكفر والضلال .

ومن ثم هذا التحذير الحاسم المخيف: (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين) . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت