فهرس الكتاب

الصفحة 133 من 207

والمعنى: فإن أعرض هؤلاء المنافقون عن الهجرة في سبيل الله - تعالى - فلا تعتبروا إسلامهم ، بل خذوهم في الأسر ، وضيقوا عليهم ( واقتلوهم حيث وجدتموهم ) لأنهم أعداء لكم { فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ } فى هذه الحالة { وَلِيًّا } توادونه وتصادقونه { وَلاَ نَصِيرًا } تنتصرون به على أعدائكم ، لأن ولاية هؤلاء المنافقين محادة لله ولرسوله ، والتناصر بهم يؤدى إلى الخذلان كما قال - تعالى - { لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالًا } فالجملة الكريمة تأمر المؤمنين بقتل المنافقين الذين ظهر الكفر منهم وتنهاهم عن اتخاذهم أولياء أو أصدقاء وعن الاستنصار بهم .

قال تعالى: { وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ} (51) سورة القلم

فهذه النظرات تكاد تؤثر في أقدام الرسول صلى الله عليه وسلم فتجعلها تزل وتزلق وتفقد توازنها على الأرض وثباتها !

وهو تعبير فائق عما تحمله هذه النظرات من غيظ وحنق وشر وحسد ونقمة وضغن , وحمى وسم .

مصحوبة هذه النظرات المسمومة المحمومة بالسب القبيح , والشتم البذيء , والافتراء الذميم: (ويقولون:إنه لمجنون) . .

وهو مشهد تلتقطه الريشة المبدعة وتسجله من مشاهد الدعوة العامة في مكة . فهو لا يكون إلا في حلقة عامة بين كبار المعاندين المجرمين , الذين ينبعث من قلوبهم وفي نظراتهم كل هذا الحقد الذميم المحموم !

يعقب عليه بالقول الفصل الذي ينهي كل قول: (وما هو إلا ذكر للعالمين) .

والذكر لا يقوله مجنون , ولا يحمله مجنون . .

وصدق الله وكذب المفترون . .

ولا بد قبل نهاية الحديث من لفتة إلى كلمة (للعالمين) . .

هنا والدعوة في مكة تقابل بذلك الجحود , ويقابل رسولها بتلك النظرات المسمومة المحمومة , ويرصد المشركون لحربها كل ما يملكون . .

وهي في هذا الوقت المبكر , وفي هذا الضيق المستحكم , تعلن عن عالميتها . كما هي طبيعتها وحقيقتها . فلم تكن هذه الصفة جديدة عليها حين انتصرت في المدينة - كما يدعي المفترون اليوم - إنما كانت صفة مبكرة في أيام مكة الأولى . لأنهاحقيقة ثابتة في صلب هذه الدعوة منذ نشأتها .

كذلك أرادها الله . وكذلك اتجهت منذ أيامها الأولى . وكذلك تتجه إلى آخر الزمان . والله الذي أرادها كما أرادها هو صاحبها وراعيها . وهو المدافع عنها وحاميها . وهو الذي يتولى المعركة مع المكذبين . وليس على أصحابها إلا الصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين . (الظلال)

وفي الوسيط - (ج 1 / ص 4300)

ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ، ببيان ما كان عليه الكافرون من كراهية للنبى صلى الله عليه وسلم ومن حقد عليه ، فقال - تعالى -: { وَإِن يَكَادُ الذين كَفَرُواْ لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُواْ الذكر وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ . وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ } .

وقولهك { لَيُزْلِقُونَكَ } من الزَّلَق - بفتحتين - ، وهو تزحزح الإِنسان عن مكانه ، وقد يؤدى به هذا التزحزح إلى السقوط على الأرض ، يقال: زَلَقه يَزْلِقه ، و أزْلقه يُزْلِقه إزلافا ، إذا نحاه وأبعده عن مكانه ، واللام فيه للابتداء .

قال الشوكانى: قرأ الجمهور: { لَيُزْلِقُونَكَ } بضم الياء من أزلقه ، أى: أزل رجله . .

وقرأ نافع وأهل المدينة { لَيُزْلِقُونَكَ } - بفتح الياء - من زلق عن موضعه .

و { إن } هى المخففة من الثقيلة ، - واسمها ضمير الشأن محذوف ، و"لما"ظرفية منصوبة بيزلقونك . أو هى حرف ، وجوابها محذوف لدلالة ما قبلها عليه . أى: لما سمعوا الذكر كادوا يزلقونك . .

أى: وإن يكاد الذين كفروا ليهلكونك ، أو ليزلون قدمك عن موضعها ، أو ليصرعونك بأبصارهم من شدة نظرهم إليك شزرا ، بعيون ملؤها العداوة والبغضاء حين سمعوا الذكر ، وهو القرآن الكريم . .

{ وَيَقُولُونَ } على سبيل البغض لك { إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ } أى: إن الرسول صلى الله عليه وسلم لمن الأشخاض الذين ذهبت عقولهم . .

{ وَمَا هُوَ } أى: القرآن الذى أنزلناه عليك { إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ } أى: تذكير بالله - تعالى - وبدينه وبهداياته . . وشرف لهم وللعالمين جميعا .

وجاء قوله { يَكَادُ } بصيغة المضارع ، للإِشارة إلى استمرار ذلك في المستقبل .

وجاء قوله { سَمِعُواْ } بصيغة الماضى ، لوقوعه مع { لما } وللإِشعار بأنهم قد حصل منهم هذا القول السَّيئ .

وجاء قوله { لَيُزْلِقُونَكَ } بلام التأكيد للإشعار بتصميم على هذه الكراهية ، وحرصهم عليها .

وقوله - سبحانه -: { وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ } رد على أكاذيبهم وإبطال لأقوالهم الزائفة ، حيث وصفوه صلى الله عليه وسلم بالجنون لأنه إذا ما كان ما جاء به شرف وموعظة وهداية وتذكير بالخير للناس . . لم يكن معقولا أن يكون مبلغة مجنونا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت