وقوله: { إِنَّ الله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ } تذييل قصد به إدخال الطمأنينة على قلوب المؤمنين ، والرعب في قلوب أعدائهم . . أى إنه - سبحانه - محيط بأعمالهم وبكل أحوالهم ، ولا تخفى عليه خافية منها ، وسيجازيهم عليها بما يستحقونه من عذاب أليم بسبب نياتهم الخبيثة ، وأقوالهم الذميمة . وأفعالهم القبيحة .
وبهذا نرى أن الآيات الكريمة قد نهت المؤمنين بأسلوب بليغ حكيم عن مصافاة من يخالفونهم في الدين ، وذكرت لهم من صفات وأحوال هؤلاء المخالفين ما يحملهم على منابذتهم والحذر منهم والبعد عنهم ، وأرشدتهم إلى ما يعينهم على النصر عليهم وعلى التخلص من آثار مكرهم وكيدهم .
وإنها لوصايا حكيمة وتوجيهات سديدة ، وإرشادات عالية ، ما أحوج المسلمين في كل زمان ومكان إلى العمل بها لكى يفلحوا في دنياهم وآخرتهم .
تدبر معى - أخى القارىء - هذه الآيات مرة أخرى فماذا ترى؟
إنك تراها توجه إلى المؤمنين نداء محببا إلى نفوسهم ، محركا لحرارة العقيدة في قلوبهم . . حيث نادتهم بصفة الإيمان ، ونهتهم في هذا النداء عن اتخاذ أولياء وأصفياء لهم من غير إخوانهم المؤمنين . ولكن هل اكتفت بهذا النهى مع أنه كفيل بحجز المؤمنين علما نهتهم عنه؟
كلا ، إنها لم تكتف بذلك ، بل ساقت لهم صورة كاملة السمات لأحوال أعدائهم ، صورة ناطقة بدخائل نفوسهم ، وبمشاعرهم الظاهرة والخفية ، وبانفعالاتهم القلبية والجسدية ، وبحركاتهم الذاهبة والآيبة ، صورة ناطقة بحالهم عندما يلتقون بالمؤمنين ، وبحالهم عندما يفارقونهم ويخلون بأنفسهم ، أو عندما يلتقون بأمثالهم من الضالين . صورة ناطقة بسرورهم عند ما تصيب المسلمين مصيبة ، وبحزنهم عندما يرون المؤمنين في نعمة يسيرة .
صورة ناطقة بموقف المؤمنين منهم وبموقفهم هم من المؤمنين ثم بعد رسم هذه الصورة العجيبة المتكاملة لهم ، يسوق القرآن للمؤمنين أسمى وأحكم ألوان التوجيه والإرشاد الذى يجعلهم في مأمن من كيدهم ومكرهم { وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا } .
أرأيت - يا أخى - كيف ربى القرآن أتباعه أكمل تربية وأحكمها وأسماها؟ إنه نهاهم أولا عن مباطنة أعدائهم ، ثم ساق لهم بعد ذلك من أوصافهم وأحوالهم ما يقنعهم ويحملهم على البعد عنهم ، ثم أرشدهم إلى الدواء الذى ينجيهم من مكرهم
فما أحكمه من توجيه . وما أسماه من إرشاد ، وإن ذلك ليدل على أن هذا القرآن من عند الله { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيرًا } وإلى هنا تكون سورة آل عمران قد حدثتنا - من بين ما حدثتنا - في مائة وعشرون آية منها ، عن بعض الأدلة على وحدانية الله - تعالى - ، وعن مظاهر قدرته ورحمته ، وعن كتبه التى أنزلها على أنبيائه لسعادة الناس وهدايتهم وعن حب الناس للشهوات وعما هو أسمى وأفضل من هذه الشهوات الزائلة ، وعن المجادلات التى حدثت بين النبى صلى الله عليه وسلم وبين أهل الكتاب فيما يتعلق بوحدانية الله - تعالى - وبصحة دين الإسلام ، وعن جوانب من قصة آل عمران وما اشتملت عليه من عظات وعبر ، وعن الشبهات التى آثارها اليهود حول الدعوة الإسلامية والمسالك الخبيثة التى سلكوها في حربهم لها وكيف رد القرآن عليهم بما يفضحهم ويكشف عن كذبهم ، ويجعل المؤمنين يزدادون إيمانا على إيمانهم
والخلاصة أن السورة الكريمة من مطلعها إلى هنا قد ساقت - من بين ما ساقت - ألوانا من الحرب النفسية التى شنها أهل الكتاب على الدعوة الإسلامية ، وردت عليهم بما يخرس ألسنتهم ، ويبصرهم بالحق - إن كانوا طلاب حق - وساقت للمؤمنين من التوجيهات والعظات ، ما يهدى قلوبهم ، ويصلح بالهم ويكفل لهم النصر على أعدائهم .
قال تعالى: { وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} (140) سورة النساء
(إنكم إذا مثلهم) . .
والوعيد الذي لا تبقى بعده بقية من تردد: إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعًا . .
ولكن قصر النهي على المجالس التي يكفر فيها بآيات الله ويستهزأ بها , وعدم شموله لكل علاقات المسلمين بهؤلاء المنافقين , يشي - كما أسلفنا - بطبيعة الفترة التي كانت تجتازها الجماعة المسلمة - إذ ذاك - والتي يمكن أن تتكرر في أجيال أخرى وبيئات أخرى - كما تشي بطبيعة المنهج في أخذ الأمر رويدا رويدا ; ومراعاة الرواسب والمشاعر والملابسات والوقائع . . في عالم الواقع . . مع الخطو المطرد الثابت نحو تبديل هذا الواقع ! (الظلال)
وفي الوسيط - (ج 1 / ص 1105)