فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 207

وقوله: { وَمَا الله بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } تهديد لهم ووعيد على ضلالهم ومحاولتهم إضلال غيرهم ، لأنه - سبحانه - ليس غافلا عن أعمالهم ، بل هو سيجازيهم على هذه المسالك الخبيثة بالفشل والذلة في الدنيا ، وبالعذاب والهوان في الآخرة ولما كان صدهم المؤمنين بطريق الخفية ختمت الآية الكريمة بما يحسم مادة حياتهم ، ببيان أن الله - تعالى - محيط بكل ما يصدر عنهم من أقوال أو أعمال وليس غافلا عنها . بخلاف الآية الأولى فقد كان كفرهم بطريق العلانية إذ ختمت ببيان أن الله مشاهد لما يعملونه ولما يجاهرون به .

قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ } (44) سورة النساء

إنه التعجيب الأول - من سلسلة التعجيبات الكثيرة - من موقف أهل الكتاب - من اليهود - يوجه الخطاب فيه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أو إلى كل من يرى هذا الموقف العجيب المستنكر:

(ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب . . يشترون الضلالة . ويريدون أن تضلوا السبيل) . .

لقد كان من شأن أن يؤتوا نصيبا من الكتاب . . الهداية . . فقد آتاهم الله التوراة , على يدي موسى عليه السلام , لتكون هداية لهم من ضلالتهم الأولى . . ولكنهم يدعون هذا النصيب . يدعون الهداية . ويشترون الضلالة ! والتعبير بالشراء يعني القصد والنية في المبادلة ! ففي أيديهم الهدى ولكنهم يتركونه ويأخذون الضلالة . فكأنما هي صفقة عن علم وعن قصد وعمد . لا عن جهل أو خطأ أو سهو ! وهو أمر عجيب مستنكر , يستحق التعجيب منه والاستنكار .

ولكنهم لا يقفون عند هذا الأمر العجيب المستنكر . بل هم يريدون أن يضلوا المهتدين . يريدون أن يضلوا المسلمين . . بشتى الوسائل وشتى الطرق . التي سبق ذكرها في سورتي البقرة وآل عمران ; والتي سيجيء طرف منها في هذه السورة كذلك . . فهم لا يكتفون بضلال أنفسهم الذي يشترونه ; بل يحاولون طمس معالم الهدى من حولهم ; حتى لا يكون هناك هدى ولا مهتدون !

وفي هذه اللمسة:الأولى , والثانية , تنبيه للمسلمين وتحذير ; من الاعيب اليهود وتدبيرهم . . وياله من تدبير ! وإثارة كذلك لنفوس المسلمين ضد الذين يريدون لهم الضلالة بعد الهدى . وقد كان المسلمون يعتزون بهذا الهدى ; ويعادون من يحاول ردهم عنه إلى جاهليتهم التي عرفوها وعرفوا الإسلام . فكرهوها وأحبوا الإسلام ! وكرهوا كل من يحاول ردهم إليها في قليل أو كثير . . وكان القرآن يخاطبهم هكذا , عن علم من الله , بما في صدورهم من هذا الأمر الكبير .

ومن ثم يعقب على إبراز هذه المحاولة من اليهود , بالتصريح بأن هؤلاء أعداء للمسلمين . وبتطمين الجماعة المسلمة إلى ولاية الله ونصره , إزاء تلك المحاولة:

(والله أعلم بأعدائكم . وكفى بالله وليا . وكفى بالله نصيرا) . .

وهكذا يصرح العداء ويستعلن , بين الجماعة المسلمة واليهود في المدينة . . وتتحدد الخطوط .

وقد كان التعجيب من أهل الكتاب عامة - وكان المفهوم أن المعنيين هم يهود المدينة - ولكن السياق لا يكتفي بهذا المفهوم . بل يمضي فيعين اليهود . ثم يصف حالهم وتصرفاتهم وسوء أدبهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه الفترة التي يبدو أنها كانت في أوائل سنوات الهجرة , قبل أن تخضد شوكتهم في المدينة:

(من الذين هادوا , يحرفون الكلم عن مواضعه ; ويقولون:سمعنا وعصينا . واسمع - غير مسمع - وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين .) . .

لقد بلغ من التوائهم , وسوء أدبهم مع الله عز وجل:أن يحرفوا الكلام عن المقصود به . والأرجح أن ذلك يعني تأويلهم لعبارات التوراة بغير المقصود منها . وذلك كي ينفوا ما فيها من دلائل على الرسالة الأخيرة ; ومن أحكام كذلك وتشريعات يصدقها الكتاب الأخير ; وتدل وحدتها في الكتابين على المصدر الواحد ; وتبعا لهذا على صحة رسالة النبى صلى الله عليه وسلم . وتحريف الكلم عن المقصود به , ليوافق الأهواء , ظاهرة ملحوظة في كل رجال دين ينحرفون عن دينهم , ويتخذونه حرفة وصناعة , يوافقون بها أهواء ذوي السلطان في كل زمان ; وأهواء الجماهير التي تريد التفلت من الدين . . واليهود أبرع من يصنع ذلك . وإن كان في زماننا هذا من محترفي دين المسلمين من ينافسون - في هذه الخصلة - اليهود !

ثم بلغ من التوائهم وسوء أدبهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقولوا له:سمعنا يا محمد ما تقول . ولكننا عصينا ! فلا نؤمن ولا نتبع ولا نطيع ! - مما يدل على أن هذه الآيات نزلت في وقت مبكر , حيث كانت لليهود هذه الجرأة على مواجهة النبي صلى الله عليه وسلم ثم يضيفون إلى التبجح سوء الأدب والخلق والالتواء أيضا . إذ يقولون للرسول صلى الله عليه وسلم:

(واسمع - غير مسمع - وراعنا) . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت