فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 207

ثم أورد الإِمام ابن كثير بعد ذلك جملة من الأحاديث منها: ما أخرجه الإِمام أحمد عن أبى سعيد الخدرى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال في هذه الآية:"هؤلاء كلهم بمنزلة واحدة ، وكلهم في الجنة".

ومعنى قوله"بمنزلة واحدة"أى: في أنهم من هذه الأمة ، وأنهم من أهل الجنة ، وإن كان بينهم فرق في المنازل في الجنة .

وقال الإِمام ابن جرير: فإن قال لنا قائل: إن قوله { يَدْخُلُونَهَا } إنما عنى به المقتصد والسابق بالخيرات؟

قيل له: وما برهانك على أن ذلك كذلك من خبر أو عقل؟ فإن قلا: قيام الحجة أن الظالم من هذه الأمة سيدخل النار ، ولم لم يدخل النار من هذه الأصناف الثلاثة أحد ، وجب أن لا يكون لأهل الإِيمان وعيد .

قيل: إنه ليس في الآية خبر أنهم لا يدخلون النار ، وإنما فيها إخبار من الله - تعالى - أنهم يدخلون جنات عدن: وجائز أن يدخلها الظالم لنفسه بعد عقوبة الله إياه على ذنوبه التى أصابها في الدنيا . . ثم يدخلون الجنة بعد ذلك ، فيكون ممن عمه خبر الله - تعالى - بقوله: { جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا } .

وقال الشوكانى: والظالم لنفسه: هو الذى عمل الصغائر . وقد روى هذا القول عن عمر ، وعثمان ، وابن مسعود ، وأبى الدرداء ، وعائشة . وهذا هو الراجح ، لأن عمل الصغائر لا ينافى الاصطفاء ، ولا يمنع من دخول صاحبه مع الذين يدخلون الجنة يحلون فيها من أساور . . وجه كونه ظالمًا لنفسه ، أنها نقصها من الثواب بما فعل من الصغائر المغفورة له ، فإنه لو عمل تلك الصغائر طاعات ، لكان لنفسه فيها من الثواب عظيمًا . .

قالوا: وتقديم الظالم لنفسه على المقتصد وعلى السابق بالخيرات . لا يقتضى تشريفًا ، كما في قوله - تعالى - { لاَ يستوي أَصْحَابُ النار وَأَصْحَابُ الجنة . . } ولعل السر في مجئ هذه الأقسام بهذا الترتيب ، أن الظالمين لأنفسهم الأقسام عددا ، ويليهم المقتصدون ، ويليهم السابقون بالخيرات ، كما قال - تعالى - { وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشكور } وقوله: { بِإِذُنِ الله } أى: بتوفيقه وإرادته وفضله .

واسم الإِشارة في قوله: { ذَلِكَ هُوَ الفضل الكبير } يعود إلى ما تقدم من توريث الكتاب ومن الاصطفاء .

أى: ذلك الذى أعطيناه - أيها الرسول الكريم - لأمتك من الاصطفاء ومن توريهم الكتاب ، هو الفضل الواسع الكبير ، الذى لا يقادر قدره ، ولا يعرف كنهه إلا الله - تعالى - .

خصائص الأمة الإسلامية :

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الصادق الوعد الأمين، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على طريقته وانتهج نهجه إلى يوم الدين وعلى رسل الله أجمعين... أما بعد:

فقد وصف الله المؤمنين بأنهم خير أمة أُخرجت للناس، فقال - عز وجل:"كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله" {آل عمران: 110} .

فرفع الله قدر هذه الأمة وشرفها واصطفاها على غيرها من الأمم، وجعلها خير أُمة أُخرجت للناس، ولِمَ لا وهي أمة النبي الخاتم محمد - صلى الله عليه وسلم - المبعوث رحمة للعالمين، فهي لم تدرك هذا الفضل إلا بإيمانها بالله، ومتابعة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وبالدعوة إلى الله والجهاد في سبيله، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما ذكر الله - عز وجل -، ولا ينال هذا إلا من استجاب لله وللرسول كما قال تعالى في وصف الصحابة الذين خرجوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد غزوة أُحد، فكان الرجل يتهادى بين الرجلين لما به من الجراح والآلام:"الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم (172) الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل (173) فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم" {آل عمران: 172- 174} .

فبقدر الإيمان والاستجابة لله وللرسول تكون الخيرية لهذه الأمة، ولا يمكن أن تكون هذه الخيرية إلا لأمة الاستجابة.

أما أمة الدعوة ففيها المؤمن والكافر والمنافق واليهودي والنصاري وكل من بلغته دعوة النبي الخاتم منذ بعثته إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولا يكون لهؤلاء فضل ولا شرف ولا خيرية إلا بالإيمان والاستجابة، وقد قال - تعالى - في آية الخيرية:"ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون" {آل عمران: 110} ، وقال - تعالى:"ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون (113) يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين (114) وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين" {آل عمران: 113- 115} ، وقال - سبحانه:"وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب" {آل عمران: 199} .

وهؤلاء هم الذين آمنوا بالله ورسوله من أهل الكتاب، وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهم يؤتَون أجرهم مرتين لأنهم آمنوا مرتين واستجابوا مرتين كما في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم:"ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين"، فذكر منهم رجلًا من أهل الكتاب آمن وصدق بالنبي - صلى الله عليه وسلم -.

هذه هي أمة الإسلام، أعظم الأمم في الدنيا والآخرة، مثلها في عداد الأمم كالشعرة السوداء في جلدة الثور الأبيض، ومع هذا فهي في الذروة العالية:"إنكم توفون- تتمون- سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله". رواه الترمذي وابن ماجه وأحمد والحاكم.

إن أصابهم ما يحبون حمدوا الله وشكروا، وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا، يعطيهم ربهم حلمًا وعلمًا من عنده - سبحانه - كما في الأثر الذي رواه أحمد والبزار والطبراني، وهم أكثر الأمم استجابة وتلبية، فلم تكن أمة أكثر استجابة في الإسلام من هذه الأمة، فمن ثم قال - تعالى:"كنتم خير أمة أخرجت للناس". ولهذه الأمة خصائص اختصها الله بها من بين الأمم، من هذه الخصائص ما هو في الدنيا، ومنها ما هو في الآخرة، فمن هذه الخصائص في الدنيا:

1-أنها الأمة المجاهدة، شرع الله لها جهاد الكفار والمنافقين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأحل لها الغنائم، ولم تكن تحل لمن سبقها من الأمم، قال - تعالى:"فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم" {الأنفال: 69} .

وقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"أعطيت خمسًا لم يعطهن نبي قبلي". فذكر منها:"وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي". [متفق عليه. أما من قبلهم من الأمم فمن جاهد منهم في سبيل الله، لم يكن تحل لهم الغنائم، بل كانت تنزل عليهم نار فتحرقها كما في الصحيح.

2-أنها الأمة المحفوظة من الهلاك والاستئصال، لا تهلك بسَنة عامة، ولا يسلط الله عليها عدوًا من غيرها، يستأصل شأفتها، ولو اجتمع عليها كل أهل الأرض كما قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم:"إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة، وأن لا يسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد، إني إذا قضيت قضاءً فإنه لا يُرد، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا أسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم يسبيتح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، حتى يكون بعضهم يُهلك بعضًا، ويسبي بعضهم بعضًا". رواه مسلم.

3-أنها لا تجتمع على ضلالة: فهذه الأمة تتقلب بين حالين: حال غزوٍ وتمكين تجتمع فيه الأمة على الحق دون تفرق ولا تشرذم، تعتصم بالله وبدينه وشرعه وتجتمع على إمام واحد، تسمع له وتطيع وتجاهد في سبيل الله تحت لوائه فيبلغ ملكها مشارق الأرض ومغاربها ممتثلة قول الله - تعالى: واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وقد وقع هذا للأمة في صدر الإسلام في زمن الخلفاء الراشدين ومن بعدهم، وصدق رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - إذ يقول:"لا يزال الإسلام عزيزًا إلى اثنى عشر خليفة كلهم من قريش". رواه مسلم. وحال ضعف وفرقة وهوان بعدما أصاب الأمة ما أصاب الأمم قبلها من اختلاف وتفرق وتشرذم وبُعْدٍ عن كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - وهدي سلف الأمة، فتسلط عليها أعداؤها، وذلت بعد عز، ولكنها مع هذا كله لم تترك الحق بالكلية، فهي أمة التوحيد، لا تجتمع على باطل، بل يبقى فيها طائفة على الحق ظاهرين به لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، وسوف ترجع الأمة إلى حال عزها تجاهد في سبيل الله وتجتمع على الحق حتى تقتل المسيح الدجال، وتقاتل اليهود، ويبارك الله في خراج الأرض، ثم يرسل الله ريحًا طيبة تقبض أرواح المؤمنين، فلا يبقى على الأرض إلا شرار الخلق، عليهم تقوم الساعة.

4-ومن خصائص هذه الأمة أن الله - تعالى - رفع عنها الآصار والأغلال التي كانت على الأمم قبلها، فأحل لها كثيرًا مما حُرم على غيرها، ولم يجعل عليها من حرج ولا عنت ولا شدة، بل يُسر وفرج، قال - تعالى:"يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر {البقرة: 185} ، وقال: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت" {البقرة: 286} .

قال - تعالى:"ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم {المائدة: 6} ، وقال: هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج" {الحج: 78} .

وقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"إني أرسلت بحنيفية سمحة". [رواه أحمد.

وقال:"لتعلم يهود أن في ديننا فسحة".

وقال لرسله وسفرائه ودعاته:"يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفر". قالها لمعاذ وأبي موسى حين بعثهما إلى اليمن. [رواه البخاري.

5 ومن هذا التيسير أن جعل الله لهذه الأمة الأرض مسجدًا وطهورًا، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"أعطيت خمسًا لم يعطهن نبي قبلي". ذكر منها:"وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلّ".

6-وتجاوز الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان وعما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم.

قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم:"إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا به". [متفق عليه. ولما نزل قول الله - تعالى:"لله ما في السموات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير"البقرة: 284. اشتد ذلك على أصحاب رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، فجاءوا إلى رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - وجثوا على الركب، وقالوا: يا رسول الله، كُلِّفنا من الأعمال ما نطيق، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"تريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين قبلكم سمعنا وعصينا؟ ولكن قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير". فلما قالوا وذلت بها ألسنتهم، أنزل الله التخفيف في قوله - تعالى: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت فنسختها. رواه أحمد ومسلم.

7-واختص الله هذه الأمة بأن جعل الله صفوفها في الصلاة كصفوف الملائكة، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه:"ألا تصفون كصفوف الملائكة عند ربها". قالوا: وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: يتمون الصفوف ويتراصون في الصف. [رواه مسلم.

8 ومن خصائص هذه الأمة: يوم الجمعة، خير يوم طلعت فيه الشمس اختلفت فيه الأمم قبلنا، فهدانا الله إليه. قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم:"نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه، فهدانا الله، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غدًا، والنصارى بعد غد". [متفق عليه.

9 وفضّل الله هذه الأمة فجعلها من الشهداء في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا؛ فلقول النبي - صلى الله عليه وسلم:"أنتم شهداء الله في الأرض".

ففي الصحيحين عن أنس قال: مرت جنازة فأُثني عليها خيرًا، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"وجبت". ومُر بجنازة فأثني عليها شرًا فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"وجبت". فسأل عمر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن هذا فقال:"من اثنيتم عليه خيرًا وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شرًا وجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض".

وأما في الآخرة فلقول الله - عز وجل: وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا {البقرة: 143} .

وفي الصحيح عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم:"يُدعى نوح يوم القيامة فيقول: لبيك وسعديك يا رب، فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم، فيقال لأمته: هل بلَّغكم؟ فيقولون: لا. فيقول الله: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فيشهدون أنه قد بلغ، وهذا قول الله - عز وجل: وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا".

ومن هذه الخصائص ما اختص الله به هذه الأمة في الآخرة فضلًا عن أنهم الشهداء على الناس يوم القيامة، فهم الآخرون السابقون والغر المحجلون، أول من يجيز الصراط وأول من يدخل الجنة وهم أكثر أهل الجنة.

ففي الصحيح أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قال:"أما ترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة". فكبر الصحابة، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة".

وقد حقق الله رجاء نبيه - صلى الله عليه وسلم - وأعطاه فوق ما يرجو، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"أهل الجنة عشرون ومائة صف، ثمانون منها من هذه الأمة". [رواه الترمذي.

ولا ينال هذا الخير إلا مَن حقق التوحيد وتابع النبي - صلى الله عليه وسلم -، أما أهل البدع والضلال فلا نصيب لهم في هذا الخير إلا بقدر قربهم من الحق ومتابعتهم للسنة، بل يُزادون عن حوض النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يخلو زمان من متبع للحق ناصر للسنة؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم:"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك".

فأهل الحق والطائفة الناجية هم المتمسكون بما كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - في العقيدة والعبادة والأخلاق والمعاملة، ففي العقيدة يتمسكون بما دل عليه كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - من التوحيد الخالص في ألوهية الله - عز وجل - وربوبيته وأسمائه وصفاته، وما كان عليه سلف الأمة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وخاصة الخلفاء الراشدين ومن تابعهم بإحسان، ويهجرون مسالك أهل البدع ومناهجهم التي فرقوا بها أهل الدين وجعلوهم شيعًا.

وفي العبادة يتمسكون بما كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - في العبادات في أجناسها وصفتها وقدرها وزمنها ومكانها دون أدنى ابتداع في الدين.

وفي الأخلاق يتمسكون بما كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - من رفق ولين وخلق عظيم.

وفي المعاملات يتمسكون بالحلال البين ويتعاملون بالصدق والنصح لأئمة المسلمين وعامتهم.

والحمد لله رب العالمين.

خصائص الأمة الإسلامية بقلم - الرئيس العام الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الصادق الوعد الأمين، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على طريقته وانتهج نهجه إلى يوم الدين وعلى رسل الله أجمعين... أما بعد:

فقد وصف الله المؤمنين بأنهم خير أمة أُخرجت للناس، فقال عز وجل: كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله {آل عمران: 110} .

فرفع الله قدر هذه الأمة وشرفها واصطفاها على غيرها من الأمم، وجعلها خير أُمة أُخرجت للناس، ولِمَ لا وهي أمة النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم المبعوث رحمة للعالمين، فهي لم تدرك هذا الفضل إلا بإيمانها بالله، ومتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وبالدعوة إلى الله والجهاد في سبيله، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما ذكر الله عز وجل، ولا ينال هذا إلا من استجاب لله وللرسول كما قال تعاللى في وصف الصحابة الذين خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم بعد غزوة أُحد، فكان الرجل يتهادى بين الرجلين لما به من الجراح والآلام: الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم (172) الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل (173) فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم {آل عمران: 172- 174} .

فبقدر الإيمان والاستجابة لله وللرسول تكون الخيرية لهذه الأمة، ولا يمكن أن تكون هذه الخيرية إلا لأمة الاستجابة.

أما أمة الدعوة ففيها المؤمن والكافر والمنافق واليهودي والنصاري وكل من بلغته دغوة النبي الخاتم منذ بعثته إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولا يكون لهؤلاء فضل ولا شرف ولا خيرية إلا بالإيمان والاستجابة، وقد قال تعالى في آية الخيرية: ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون {آل عمران: 110} ، وقال تعالى: ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون (113) يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين (114) وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين {آل عمران: 113- 115} ، وقال سبحانه: وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب {آل عمران: 199} .

وهؤلاء هم الذين آمنوا بالله ورسوله من أهل الكتاب، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنهم يؤتَون أجرهم مرتين لأنهم آمنوا مرتين واستجابوا مرتين كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم:"ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين"، فذكر منهم رجلًا من أهل الكتاب آمن وصدق بالنبي صلى الله عليه وسلم .

هذه هي أمة الإسلام، أعظم الأمم في الدنيا والآخرة، مثلها في عداد الأمم كالشعرة السوداء في جلدة الثور الأبيض، ومع هذا فهي في الذروة العالية:"إنكم توفون- تتمون- سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله". رواه الترمذي وابن ماجه وأحمد والحاكم.

إن أصابهم ما يحبون حمدوا الله وشكروا، وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا، يعطيهم ربهم حلمًا وعلمًا من عنده سبحانه كما في الأثر الذي رواه أحمد والبزار والطبراني، وهم أكثر الأمم استجابة وتلبية، فلم تكن أمة أكثر استجابة في الإسلام من هذه الأمة، فمن ثم قال تعالى: كنتم خير أمة أخرجت للناس .ولهذه الأمة خصائص اختصها الله بها من بين الأمم، من هذه الخصائص ما هو في الدنيا، ومنها ما هو في الآخرة، فمن هذه الخصائص في الدنيا:

1-أنها الأمة المجاهدة، شرع الله لها جهاد الكفار والمنافقين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأحل لها الغنائم، ولم تكن تحل لمن سبقها من الأمم، قال تعالى: فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم {الأنفال: 69} .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"أعطيت خمسًا لم يعطهن نبي قبلي". فذكر منها:"وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي". [متفق عليه.أما من قبلهم من الأمم فمن جاهد منهم في سبيل الله، لم يكن تحل لهم الغنائم، بل كانت تنزل عليهم نار فتحرقها كما في الصحيح.

2-أنها الأمة المحفوظة من الهلاك والاستئصال، لا تهلك بسَنة عامة، ولا يسلط الله عليها عدوًا من غيرها، يستأصل شأفتها، ولو اجتمع عليها كل أهل الأرض كما قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة، وأن لا يسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد، إني إذا قضيت قضاءً فإنه لا يُرد، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا أسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم يسبيتح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، حتى يكون بعضهم يُهلك بعضًا، ويسبي بعضهم بعضًا". رواه مسلم.

3-أنها لا تجتمع على ضلالة:

فهذه الأمة تتقلب بين حالين: حال غزوٍ وتمكين تجتمع فيه الأمة على الحق دون تفرق ولا تشرذم، تعتصم بالله وبدينه وشرعه وتجتمع على إمام واحد، تسمع له وتطيع وتجاهد في سبيل الله تحت لوائه فيبلغ ملكها مشارق الأرض ومغاربها ممتثلة قول الله تعالى: واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ، وقد وقع هذا للأمة في صدر الإسلام في زمن الخلفاء الراشدين ومن بعدهم، وصدق رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذ يقول:"لا يزال الإسلام عزيزًا إلى اثنى عشر خليفة كلهم من قريش". رواه مسلم.وحال ضعف وفرقة وهوان بعدما أصاب الأمة ما أصاب الأمم قبلها من اختلاف وتفرق وتشرذم وبُعْدٍ عن كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وهدي سلف الأمة، فتسلط عليها أعداؤها، وذلت بعد عز، ولكنها مع هذا كله لم تترك الحق بالكلية، فهي أمة التوحيد، لا تجتمع على باطل، بل يبقى فيها طائفة على الحق ظاهرين به لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، وسوف ترجع الأمة إلى حال عزها تجاهد في سبيل الله وتجتمع على الحق حتى تقتل المسيح الدجال، وتقاتل اليهود، ويبارك الله في خراج الأرض، ثم يرسل الله ريحًا طيبة تقبض أرواح المؤمنين، فلا يبقى على الأرض إلا شرار الخلق، عليهم تقوم الساعة.

4-ومن خصائص هذه الأمة أن الله تعالى رفع عنها الآصار والأغلال التي كانت على الأمم قبلها، فأحل لها كثيرًا مما حُرم على غيرها، ولم يجعل عليها من حرج ولا عنت ولا شدة، بل يُسر وفرج، قال تعالى: يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر {البقرة: 185} ، وقال: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت {البقرة: 286} .

قال تعالى: ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم {المائدة: 6} ، وقال: هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج {الحج: 78} .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"إني أرسلت بحنيفية سمحة". [رواه أحمد.

وقال:"لتعلم يهود أن في ديننا فسحة".

وقال لرسله وسفرائه ودعاته:"يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفر". قالها لمعاذ وأبي موسى حين بعثهما إلى اليمن. [رواه البخاري.

5 ومن هذا التيسير أن جعل الله لهذه الأمة الأرض مسجدًا وطهورًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"أعطيت خمسًا لم يعطهن نبي قبلي". ذكر منها:"وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلّ".

6-وتجاوز الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان وعما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم.

قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا به". [متفق عليه.ولما نزل قول الله تعالى: لله ما في السموات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير البقرة: 284.اشتد ذلك على أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، فجاءوا إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وجثوا على الركب، وقالوا: يا رسول الله، كُلِّفنا من الأعمال ما نطيق، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"تريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين قبلكم سمعنا وعصينا؟ ولكن قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير". فلما قالوا وذلت بها ألسنتهم، أنزل الله التخفيف في قوله تعالى: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت فنسختها. رواه أحمد ومسلم.

7-واختص الله هذه الأمة بأن جعل الله صفوفها في الصلاة كصفوف الملائكة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه:"ألا تصفون كصفوف الملائكة عند ربها". قالوا: وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: يتمون الصفوف ويتراصون في الصف. [رواه مسلم.

8 ومن خصائص هذه الأمة: يوم الجمعة، خير يوم طلعت فيه الشمس اختلفت فيه الأمم قبلنا، فهدانا الله إليه. قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه، فهدانا الله، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غدًا، والنصارى بعد غد". [متفق عليه.

9 وفضّل الله هذه الأمة فجعلها من الشهداء في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا؛ فلقول النبي صلى الله عليه وسلم:"أنتم شهداء الله في الأرض".

ففي الصحيحين عن أنس قال: مرت جنازة فأُثني عليها خيرًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"وجبت". ومُر بجنازة فأثني عليها شرًا فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"وجبت". فسأل عمر النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا فقال:"من اثنيتم عليه خيرًا وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شرًا وجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض".

وأما في الآخرة فلقول الله عز وجل: وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا {البقرة: 143} .

وفي الصحيح عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"يُدعى نوح يوم القيامة فيقول: لبيك وسعديك يا رب، فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم، فيقال لأمته: هل بلَّغكم؟ فيقولون: لا. فيقول الله: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فيشهدون أنه قد بلغ، وهذا قول الله عز وجل: وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا".

ومن هذه الخصائص ما اختص الله به هذه الأمة في الآخرة فضلًا عن أنهم الشهداء على الناس يوم القيامة، فهم الآخرون السابقون والغر المحجلون، أول من يجيز الصراط وأول من يدخل الجنة وهم أكثر أهل الجنة.

ففي الصحيح أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال:"أما ترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة". فكبر الصحابة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة".

وقد حقق الله رجاء نبيه صلى الله عليه وسلم وأعطاه فوق ما يرجو، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"أهل الجنة عشرون ومائة صف، ثمانون منها من هذه الأمة". [رواه الترمذي.

ولا ينال هذا الخير إلا مَن حقق التوحيد وتابع النبي صلى الله عليه وسلم ، أما أهل البدع والضلال فلا نصيب لهم في هذا الخير إلا بقدر قربهم من الحق ومتابعتهم للسنة، بل يُزادون عن حوض النبي صلى الله عليه وسلم ولا يخلو زمان من متبع للحق ناصر للسنة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك".

فأهل الحق والطائفة الناجية هم المتمسكون بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم في العقيدة والعبادة والأخلاق والمعاملة، ففي العقيدة يتمسكون بما دل عليه كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم من التوحيد الخالص في ألوهية الله عز وجل وربوبيته وأسمائه وصفاته، وما كان عليه سلف الأمة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وخاصة الخلفاء الراشدين ومن تابعهم بإحسان، ويهجرون مسالك أهل البدع ومناهجهم التي فرقوا بها أهل الدين وجعلوهم شيعًا.

وفي العبادة يتمسكون بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم في العبادات في أجناسها وصفتها وقدرها وزمنها ومكانها دون أدنى ابتداع في الدين.

وفي الأخلاق يتمسكون بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من رفق ولين وخلق عظيم.

وفي المعاملات يتمسكون بالحلال البين ويتعاملون بالصدق والنصح لأئمة المسلمين وعامتهم.

والحمد لله رب العالمين

الأمة الإسلامية مفهومًا وخصائص

د. سمير بودينار

إذا قدر لنا أن نسأل مجموعة من الأفراد في مجتمعنا عن"الأمة الإسلامية اليوم"فإن المتوقع أن تكون الإجابات أسئلة حائرة تقابل السؤال بالسؤال، من نوع:"وأين هي الأمة الإسلامية؟! هل بقي لها وجود؟!"أو تكون تقريرا يائسا:"إن الأمة الإسلامية ممزقة متفرقة... الأمة الإسلامية تعاني من حالة ضعف وهوان... الأمة الإسلامية واقعة تحت سيطرة أعدائها... الأمة الإسلامية لم يعد لها وجود، لأن المسلمين ما عادوا متشبثين بدينهم، موحَّدين في ظل مبادئه..."وهي عبارات لا يمر يوم إلا ونقرأها فيما يكتب ونسمعها في وسائل الإعلام وعلى ألسنة الناس في ملتقياتهم، يعبرون بها عن قلة أملهم في واقع الأمة الإسلامية اليوم، يؤكدون سوء حالها وخطورة مبلغ استشراء الداء في أوصالها. وقد لا نختلف كثيرا عن بعض هذه الآراء التي تبلغ مبلغ الإجماع في مستوى معين من مستويات قراءة الواقع، إلا أن ملاحظة ثانية لا تقل أهمية، تكاد تغيب بصورة مطلقة عن النقاش وعن التفكير وبالتالي عن الوعي العام، وهي أن أزمتنا في إدراك معنى الأمة الإسلامية ومعاني الولاء لها والانتماء إليها وواجبنا تجاهها، لا تقل عن الأزمة التي تعيشها هذه الأمة اليوم، بل يمكن القول إن هناك علاقة سببية لا يخطئها النظر تصل بين الأمرين.

فما هي الأمة الإسلامية ابتداء؟ مم تتشكل؟ ما هي مادتها؟ أليس كل مسلم على ظهر الأرض هو اللبنة الأصغر في بنائها؟ ألا يفترض هذا استحضار العلاقة المباشرة -عند الحديث عن الأمة الإسلامية ومشاكلها- بين الفرد والجماعة، بين حال المسلم وواقع أمته، بين الجزء والكل؛ كما يفترض حرصا على معرفة هذه الأمة من حيث أسس بنائها وخصائصها المتفردة، والتي قد تكون -بشكل ما- أحد العوامل التي جلب لها هذه التحديات الهائلة التي تصارعها، يماثل الحرص على إبداء الحسرة على حالها.

إن مثل هذه المنطلقات هي في تصورنا المداخل التي على إجاباتها تترتب الحلول المقترحة، بل الأسئلة البديلة، المدعو كل واحد للمساهمة في طرحها، ونعتبر أن هذه الأسئلة ينبغي لها أن تظل الحافز للمعرفة والبحث في خيارات المستقبل المطروحة على أمتنا أي علينا أولا، من موقع الانتماء المبدئي والفعلي والدائم للأمة الإسلامية.

1.أسس بناء الأمة في الإسلام

يقوم مفهوم الأمة الإسلامية على أسس ثلاث لا يتيسر إدراكها إلا بالوقوف عندها، ليس بوصفها القواعد التي يقوم عليها بناء الأمة في مجالي التفكير والتجربة التاريخية فحسب، بل لأن هذه الأسس جزء لا يتجزأ من ماهية الأمة نفسها وعناصر بنائها ماضيا وحاضرا، واستمرارها مستقبلا، وهي:

ا) الأساس الثقافي

وهو الذي يمثل قاعدة بناء الأمة الإسلامية، فانطلاقا منه تتحدد ماهيتها ومرجعيتها وضوابط وحدتها، وهو الذي يبين رسالة الأمة الإسلامية، اعتمادا على مصادر الثقافة الإسلامية الأصيلة التي تحدد العقيدة والشريعة ومنظومة القيم والأخلاق والسلوك. وبالرجوع إلى هذه المصادر ندرك أن الأمة الإسلامية مفهوم أسسه القرآن الكريم ?وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ? (المومنون:52) ، وانتقل في السنة النبوية إلى مستوى الواقع الذي يمثل"النموذج التأسيسي". فقد أسس رسول الله صلى الله عليه وسلم نواة الأمة الإسلامية في مكة من مجموعة الصحابة الذين صدقوا واتبعوا قبل أن يأتي النموذج العملي من خلال"التوثيق الدستوري"في"العهد النبوي أو صحيفة المدينة"والتي جاء فيها:"هذا كتاب من محمد النبي بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب، ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم، أنهم أمة واحدة من دون الناس"، ثم من خلال الأفعال والأقوال النبوية التي أعطت للجماعة المسلمة في المدينة بعد الهجرة سمات الأمة الواحدة المترابطة بروابط العقيدة والتصور ووحدة القيم والرسالة والمشروع الحضاري، والمنفتحة في امتداد لا يحده جنس ولا لون ولا لغة ولا رقعة جغرافية، إلا ما كان من إيمان بمبادئ هذه الأمة والتزام بمرجعيتها المؤسسة على الشريعة، بما يحقق وحدة الإدراك لكل ما يتصل بهذه المرجعية، كأساس لاحترام ما ينبثق عنها من مبادئ وأحكام تمثل نظاما متكاملا للسلوك الفردي والجماعي على السواء. وعلى هذا القدر من الجلاء كانت الإشارة النبوية في"الصحيفة""...وأنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله عز وجل وإلى محمد صلى الله عليه وسلم"تأسيسا لوحدة المرجعية والتي تمثل أهم عناصر وحدة الأمة الإسلامية التي"تؤمن بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا، وبالقرآن كتابا."...

والواقع أنه لهذا الرابط العقدي الثقافي دوره التأسيسي في هذه الوحدة كما سبق، إلا أن هذا الأساس نفسه لو بقي عقيدة مشتركة في قلوب عدد من الناس أو فكرة في عقولهم تمنحهم أجوبة وجودية على أسئلة الكون والحياة والإنسان، دون أن تمتد إلى الجانب العملي من حياتهم وفق آليات ثابتة ودائمة، أسستها الشريعة لتبقى عناصر الوحدة وقوة الروابط والصلات بين الأفراد داخل الأمة، لربما كان قد وقع بين المسلمين في إطار العقيدة الواحدة من التباعد والجفاء ما لا يمكن تصوره إلا باستحضار سير أمم ومجتمعات أخرى وردت إليها النبوات وتتابع إليها المرسلون حاملين رسالة التوحيد، ثم إذا هي بعد مدة طالت أو قصرت تفقد المبررات المادية العملية للوحدة، وتدب إليها الفرقة وتختلف بل تتقاتل حتى حول الفهوم المتباينة للعقيدة المشتركة. والحال أن الأمة الإسلامية تجد في مصدرها الأصيل ما يمكن أن نسميه"إعادة إنتاج مستمرة"لعناصر التوحد في مستوياتها المختلفة، بدءا من النواة الاجتماعية (الأسرة) ، وصولا إلى مستوى الأمة الإسلامية الكبرى، مرورا بمستويات الاجتماع الإنساني كافة. ولعل هذه الآلية الموحدة باستمرار تبدو أجلى ما يكون في الأساسيين الاجتماعي والاقتصادي لبناء الأمة.

بـ) الأساس الاجتماعي للأمة الإسلامية

إذا كانت العلاقات الإنسانية هي التي تؤسس المجتمع، فإنه لا يتكون على الحقيقة بالأعداد الكبيرة من الأفراد مهما بلغوا، إلا في ظل شبكة العلاقات المعقدة بينهم، والتي تمثل شرط بناء المجتمع وحقيقته في آن. وبناء على هذا الأساس مثلت جملة الأحكام الشرعية المتصلة بالجانب الاجتماعي والمؤسسة لاستمرار ودوام الصلات بين الفرد المسلم وبين غيره من أفراد المجتمع الإسلامي الذي يوحده الإيمان المشترك بالمقومات الأساسية للإسلام (وحدة المرجعية) سواء اتخذ هذا الإيمان بعدا عقديا ثقافيا بالنسبة للمسلم أو بعدا حضاريا بالنسبة لغير المسلم داخل المجتمع الإسلامي. وعلى هذا كانت حقوق المسلم على المسلم من الاتساع، بحيث تمتد إلى كافة صور الحياة الاجتماعية، ومن ثم فإن فرص بقاء الصلة بين أفراد المجتمع الإسلامي أكبر من أي فرص أخرى في ظل قيم مخالفة. ذلك أن طبيعة الالتزام الديني في الإسلام نفسه تفرض دوام اللقاء مما يسمح بتوطيد الصلات:"الصلوات الخمس في المسجد، السلام آخر كل صلاة، على مستوى الجوار؛ الاجتماع الأسبوعي في صلاة الجمعة على مستوى الحي؛ الاجتماعان السنويان في صلاة العيدين بالمصلى على مستوى المدينة أو القرية؛ اجتماع الحج العالمي الذي يجب على القادر حضوره ولو مرة واحدة في حياته على مستوى الأمة الإسلامية."

وكلما ضاقت الدائرة الاجتماعية إلا وكان الحرص على توطيد العلاقة أكبر. فالبناء الاجتماعي في الإسلام مؤسس على قواعد الرحم والقرابة والجوار. وهي العلاقات القاعدية في أي بناء اجتماعي مترابط وسليم،"الجيران ثلاثة، جار له حق واحد، وجار له حقان، وجار له ثلاثة حقوق. فالجار الذي له ثلاثة حقوق، الجار المسلم ذو الرحم، فله حق الجوار وحق الإسلام وحق الرحم. وأما الذي له حقان فالجار المسلم له حق الجوار وحق الإسلام. وأما الذي له حق واحد فالجار المشرك"الحديث. (رواه البزار وأبو نعيم)

هذا إلى جانب ما هو ملقى على المجتمع من مسؤوليات الإصلاح بين المتخاصمين في شتى المستويات، كما هو الحال مثلا في"الإدارة الاجتماعية"للخلاف الزوجي عبر الحكمين ?وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ الله بَيْنَهُمَا? (النساء: 35) . وتأسيسا على ما سبق من اتساع مفهوم الانتماء للأمة الإسلامية ليشمل معنى"الانتماء الحضاري"الذي تؤسسه الحياة والقيم الاجتماعية المشتركة، ووحدة التجربة التاريخية للأفراد داخل مجتمع واحد حتى وإن كان من بينهم أقلية لا تدين بدينهم، فإن انتماءها للأمة يكون بصلة الثقافة والحضارة الإسلامية التي مثلت إطارا للحياة المشتركة بينها وبين الأغلبية المسلمة، ولئلا تستدرجنا الأمثلة التاريخية المتراكمة لسيل من المواقف التي جسدت الأساس الاجتماعي المتين لحياة هؤلاء جميعا، ضمن إطار الأمة الجامع... فإننا نعتصم بالأصل"الثقافي"للحياة الاجتماعية على هذا الصعيد، من خلال ميزان التعامل الإنساني المقرر بجلاء في القرآن الكريم: ?لاَ يَنْهَاكُمُ الله عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ? (الممتحنة:8) . ودلالة اللفظين:"تبروهم" (البر: قمة الإحسان في المعاملة) و"تقسطوا إليهم" (القسط: قمة العدل) مؤكدة للمعنى الذي نشأت عنه التجربة العامة في واقع المسلمين، والتي لا تمثل الاستثناءات والشذوذ عن الحالة العامة إلا تأكيدا لأصليتها.

جـ) الأساس الاقتصادي

يرى أكثر المنصفين من مؤرخي الحضارة الإسلامية أنه لو لم تبدع هذه الحضارة سوى نظام"الوقف"كنظام يحقق هدفا مزدوجا يتجلى في الأمن الاقتصادي البعيد المدى لقطاعات معينة في المجتمع من خلال ريع الأوقاف من جهة، وضمان حد أدنى من استقلالية المجتمع، لو لم تبدع الأمة الإسلامية انطلاقا من أصول ثقافتها سوى هذا النظام لكان ذلك كافيا للحديث عن القاعدة الاقتصادية الصلبة في البناء الإسلامي.

إلا أن نظام الوقف ليس نظاما وحيدا في هذا الباب، ففي الشريعة الإسلامية واجبات وأحكام تعبدية -أي أنها شديدة الارتباط بأصل التدين عند المسلمين- لا تتم إلا عبر الإنفاق المادي، أي المساهمة الاقتصادية في توطيد أسس البناء الاجتماعي. وهنا تأتي أهمية الزكاة بوصفها ركنا إسلاميا وواجبا تعبديا ذا أبعاد اقتصادية واجتماعية، والكفارات عن طريق الإطعام أو العتق في حالات الصيام والأيمان والظهار وغير ذلك.

إن الأساس الاقتصادي في بناء الأمة الإسلامية شديد الارتباط بطبيعة هذه الأمة لجهة قيامه على قاعدة دينية تربط الإنفاق بالجزاء الأخروي حتى لو كان من صميم الواجب، ولما تتسم به منظومته في الأحكام المالية من نزعة اجتماعية ظاهرة، فالمجتمع الإسلامي هو بالضرورة مجال الإنفاق والفرد المسلم وغير المسلم ممن يعيش في مجتمع المسلمين هو من يقطف في النهاية ثمرة هذه المبادئ الاجتماعية التي توجه الفعل المالي والسلوك الاقتصادي في الإسلام.

2.خصائص الأمة الإسلامية

يفرض التأسيس العلمي لمفهوم الأمة الإسلامية تلمس الخصائص المميزة لها، والتي يخلص إليها من خلال الأساس الثقافي في علاقته بعقيدتها وقيمها، ولعلها من التعدد بما يناسب تطور تجربة الأمة التاريخية المؤسسة على هذه العقيدة وتلك القيم، غير أن أهم هذه الخصائص أربعة هي:

أ) أنها أمة التوحيد الخالص: توحيد الألوهية لله تعالى وتوحيد الربوبية الذي يجرد الناس من خصائص الألوهية. وتوحيد الأسماء والصفات الذي يتيح للإنسان التطلع إلى آفاق الجمال في الأخلاق والصفات (صفات الجمال) ، فيستزيد منهما دون أن يتجاوز طبيعته البشرية التي تقصر به عن مسؤولية الاتصاف بصفات الجلال. وهذا التوحيد الخالص لا ينفذ إليه إلا بدوام القراءة في كتاب الله المسطور (الوحي) وكتاب الله المنشور (الكون) .

بـ) أنها أمة العلم: بدليل أن أول ما نزل من القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن:"اعمل"ولا"جاهد"بل ولا حتى"اسجد"أو"اعبد"، إنما كان قول الله تعالى: ?اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِكَ الَّذِي خَلَقَ? (العلق:1) . فالقراءة هي مبتدأ الوحي والمدخل إلى إدراك قيم الأمة وتصورها والوسيلة التي تتجدد بها معاني الدين في نفس الإنسان وعلاقته به (قراءة القرآن) . ولأنها كذلك فقد أجمل القرآن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم في قوله سبحانه ?هُو الَّذِي بَعَثَ فِي اْلأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ? (الجمعة:2) .

جـ) أنها الأمة الحافظة لتراث النبوات: انطلاقا من المعنى القرآني الذي يشير إلى القرآن كمصدق لرصيد الوحي في الرسالات السابقة، ?وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ الله بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ * ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ الله ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ? (فاطر 31-32) .

د) أنها أمة الحوار: فطبيعة المرجعية التي توجهها طبيعة حوارية، ذلك أن القرآن الكريم هو في أحد وجوهه كتاب منهج الحوار بامتياز، ليس لأنه أورد حوارات الأنبياء مع أقوامهم كعناصر عبرة وتدبر فحسب، بل لأنه اتسع لذكر القول المخالف، وهو قول يحكم المنطق القرآني عليه بالتهافت دون أن يكون ذلك مانعا من إيراده على لسان أصحابه قبل الجواب بالدليل الناصع والحجة البالغة، وفي القرآن نماذج كثيرة لهذا الخطاب"سيقول السفهاء...، ويقول الذين كفروا...، إذا جاءك المنافقون قالوا...". ثم إن مبدأ الإقرار لكل بما عنده من الحق كائنا من كان قائله سمة أخرى من سمات الخطاب القرآني. وعلى هذا كانت الأمة الإسلامية مدعوة إلى أن تجادل غيرها بما هو فوق المنهج والأسلوب الحسن (بما هو أحسن) ?اُدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ? (النحل:125) .

لا شك أن تلك الخصائص وتلك الأسس قد ضمنت للأمة قابلية عجيبة للبقاء عبر مراحل التاريخ، رغم إرادات الإفناء والاقتلاع الهائلة التي قوبلت بها، وهجمات الإبادة التي قل أن عرف التاريخ لها مثيلا وليس آخرها الهجمة الاستعمارية الشاملة على كل مقومات حياتها مادية كانت أم معنوية. ومن هنا تبدو الأهمية الحاسمة لتلك الأسس والخصائص بالنسبة للأمة الإسلامية اليوم في ظل التحديات الجسام التي لا زالت تواجه، بل التي باتت اليوم تتخذ منحى تصاعديا، لا يضمن معه نجاح التحدي إلا بإعادة إنتاج القيم التي ضمنت لهذه الأمة البقاء ماضيا وحاضرا، وهي كفيلة بأن تضمن لها الخلود مستقبلا.

* مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية - وجدة / المغرب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت