فهرس الكتاب

الصفحة 118 من 207

لهذا يتدرج القرآن في تهييج قلوب المؤمنين ضد أعدائه وأعدائهم حتى يصل إلى قمته بقوله لهم عنهم: (وودوا لو تكفرون) . . (الظلال)

وفي الوسيط - (ج 1 / ص 4163)

ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ببيان سوء عاقبة من يخالف أمره فقال: { وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السبيل } .

والضمير في قوله: { يَفْعَلْهُ } يعود إلى الاتخاذ المفهوم من قوله { لاَ تَتَّخِذُواْ } .

أى ومن يفعل ذلك الاتخاذ لعدوى وعدوكم أولاء . ويلقى إليهم بالمودة ، فقد أخطأ طريق الحق والصواب . وضل عن الصراط المستقيم .

ثم بين - سبحانه - حال هؤلاء الأعداء عندما يتمكنون من المؤمنين فقال: { إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُواْ لَكُمْ أَعْدَآءً ويبسطوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بالسواء وَوَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ } .

ومعنى { يَثْقَفُوكُمْ } يظفروا بكم ، ويدركوا طلبتهم منكم . وأصل الثقف: الحذق في إدراك الشىء وفعله ، ومنه رجل ثقف إذا كان سريع الفهم ، ويقال: ثقفت الرجلَ في الحرب إذا أدركته وظفرت به .

أى: إن يظفر بكم هؤلاء الأعداء - أيها المؤمنون - ويتمكنوا منكم ، يظهروا لكم ما انطوت عليه قلوبهم نحوكم من بغضاء: ولا يكتفون بذلك ، بل يمدون إليكم أيديهم بما يضركم ، وألسنتهم مما يؤذيكم .

ثم هم بعد كل ذلك يودون ويتمنون أن تصيروا كفارا مثلهم .

فأنت ترى أن الآية الكريمة ، قد وضحت أن هؤلاء الكافرين ، قد سلكوا في عداوتهم للمؤمنين كل مسلك ، فهم عند تمكنهم من المؤمنين يظهرون حقدهم القديم ، ويؤذونهم بأيديهم وألسنتهم ، ويتمنون في جميع الأحوال أن يردوهم بعد إيمانهم كافرين .

وقال - سبحانه -: { ويبسطوا إِلَيْكُمْ . . . } للإشعار بكثرة ما ينزلونه بالمؤمنين من أذى ، إذ التعبير بالبسط يدل على الكثرة والسعة .

وقوله: { وَوَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ } معطوف على جملة الشرط والجزاء ، ويكون - سبحانه - قد أخبر عنهم بخبرين:

أحدهما: ما تضمنته الجملة الشرطية من عداوتهم للمؤمنين .

وثانيهما: تمنيهم ارتدادهم من الإيمان إلى الكفر .

قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف أورد جواب الشرط مضارعا مثله ، ثم قال { وَوَدُّواْ } بلفظ الماضى؟

قلت: الماضى وإن كان يجرى في باب الشرط مجرى المضارع في علم الإعراب . فإن فيه نكتة ، كأنه قيل: وودوا قبل كل شىء كفركم وارتدادكم . يعنى: أنهم يريدون أن يلحقوا بكم مضار الدنيا والدين جميعا ، من قتل الأنفس وتمزيق الأعراض ، وردكم كفارا .

وهذا الرد إلى الكفر أسبق المضار عندهم وأولها ، لعلمهم أن الدين أعز عليكم من أرواحكم ، لأنكم بذالون لها دونه . والعدو أهم شىء عنده ، أن يقصد أعز شىء عند صاحبه .

قال تعالى: { كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ } (8) سورة التوبة

كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله , وهم لا يعاهدونكم إلا في حال عجزهم عن التغلب عليكم . ولو ظهروا عليكم وغلبوكم لفعلوا بكم الأفاعيل في غير مراعاة لعهد قائم بينهم وبينكم , وفي غير ذمة يرعونها لكم ; أو في غير تحرج ولا تذمم من فعل يأتونه معكم ! فهم لا يرعون عهدا , ولا يقفون كذلك عند حد في التنكيل بكم ; ولا حتى الحدود المتعارف عليها في البيئة والتي يذمون لو تجاوزوها . فهم لشدة ما يكنونه لكم من البغضاء يتجاوزون كل حد في التنكيل بكم , لو أنهم قدروا عليكم . مهما يكن بينكم وبينهم من عهود قائمة . فليس الذي يمنعهم من أي فعل شائن معكم أن تكون بينكم وبينهم عهود ; إنما يمنعهم أنهم لا يقدرون عليكم ولا يغلبونكم ! . . وإذا كانوا اليوم - وأنتم أقوياء - يرضونكم بأفواههم بالقول اللين والتظاهر بالوفاء بالعهد . فإن قلوبهم تنغل عليكم بالحقد ; وتأبى أن تقيم على العهد ; فما بهم من وفاء لكم ولا ود !

(وأكثرهم فاسقون . اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله . إنهم ساء ما كانوا يعملون) .

وهذا هو السبب الأصيل لهذا الحقد الدفين عليكم , وإضمار عدم الوفاء بعهودكم , والانطلاق في التنكيل بكم - لو قدروا - من كل تحرج ومن كل تذمم . . إنه الفسوق عن دين الله , والخروج عن هداه , فلقد آثروا على آيات الله التي جاءتهم ثمنا قليلا من عرض هذه الحياة الدنيا يستمسكون به ويخافون فوته . وقد كانوا يخافون أن يضيع عليهم الإسلام شيئا من مصالحهم ; أو أن يكلفهم شيئا من أموالهم ! فصدوا عن سبيل الله بسبب شرائهم هذا الثمن القليل بآيات الله . صدوا أنفسهم وصدوا غيرهم [ فسيجيء أنهم أئمة الكفر ] . . أما فعلهم هذا فهو الفعل السيء الذي يقرر الله سوءه الأصيل: (إنهم ساء ما كانوا يعملون !) . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت