فهرس الكتاب

الصفحة 153 من 207

ثم نهى - سبحانه - المسلمين عن مخالطة الكافرين بآيات الله والمستهزئين بها فقال: { وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الكتاب أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ الله يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حتى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ } .

أى: وقد نزل اله عليكم - أيها المؤمنون - في كتابه المحكم أنكم إذا سمعتم آيات الله يكفر بها الكافرون ، ويستهزئ بهم المستهزئون ، فعليكم في هذه الأحوال أن تتركوا مجالسهم ، وأن تعرضوا عنهم حتى يتكلموا في حديث آخر سوى الكفر بآيات الله والاستهزاء بها .

قال صاحب الكشاف: والمراد بالمنزل عليهم في الكتاب: هو ما نزل عليهم في مكة من قوله - تعالى -: { وَإِذَا رَأَيْتَ الذين يَخُوضُونَ في آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حتى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ } وذلك أن المشركين كانوا يخوضون في ذكر القرآن في مجالسهم فيستهزئون به ، فنهى - سبحانه - المسلمين عن القعود معهم ما داموا خائضين فيه .

وكان أحبار اليهود بالمدينة يفعلون نحو فعل المشركين ، فنهوا أن يقعدوا معهم كما نهوا - قبل ذلك - عن مجالسة المشركين بمكة .

وأن في قوله { إِذَا سَمِعْتُمْ } تفسيرية ، لأن { نَزَّلَ } تضمن معنى القول دون حروفه . وجعلها بعضهم مخففة من الثقيلة واسمها ضمير شأن مقدر أى أنه إذا سمعتم . وقدره بعضهم ضمير المخاطبين أى أنكم إذا سمعتم ، وخبرها جملة الشرط والجزاء .

وقوله { يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا } جملتان في موضع الحال من الآيات .

وأضاف - سبحانه - الآيات إليه ، لتهويل أمرها ، والتشنيع على من كفر أو استهزأ بها . والضمير في قوله { مَعَهُمْ } يعود إلى الكافرين والمستهزئين المدلول عليهم بقوله: { يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ } فكأنه قيل: لا تقعدوا - أيها المؤمنون - مع الكافرين بآيات الله والمستهزئين بها .

والضمير في قوله { غَيْرِهِ } يعود إلى تحدثهم بالكفر والاستهزاء أى: حتى يخوضوا في حديث سوى حديثهم المتعلق بالكفر بآيات الله والاستهزاء بها

وقوله { إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ } تعليل للنهى عن القعود معهم .

أى: أيها المؤمنون - إن استمعتم إلى الكفار والمنافقين وهم يعلنون الكفر بآيات الله - تالى - والاستهزاء بها ، كنتم معهم في الاستهانة بآيات الله وشركاء لهم في آثامهم ، لأن الراضى بالكفر بآيات الله وبالاستهزاء بها . يكون بعيدا عن حقيقة الإِيمان ، ومستحقا للعقوبة من الله - تعالى - .

قال صاحب الكشاف ، فإن قلت: لهم يكونوا مثلهم بالمجالسة في وقت الخوض؟ قلت: لأنهم إذا لم ينكروا عليهم كانوا راضين . والراضى بالكفر كافر فإن قلت: فهلا كان المسلمون بمكة - حين كانوا يجالسون الخائضين من المشركين - منافقين؟ قلت: لأنهم كانوا لا ينكرون لعجزهم . وهؤلاء لم ينكروا مع قدرتهم فكان ترك الإِنكار لرضاهم .

وقال القرطبى: فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصى إذا ظهر منهم منكر ، لأن من لم يتجنبهم فقد رضى فعلهم ، والرضا بالكفر كفر . قال الله - تعالى - { إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ } . فكل من جلس في مجلس معصية ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء . وينبغى أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها ، فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغى أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية .

وقد روى عن عمر بن عبد العزيز أنه أخذ قوما يشربون الخمر ، فقيل له عن أحد الحاضرين: إنه صائم . فحمل عليه الأدب وقرأ عليه هذه الآية { إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ } أى أن الرضا بالمعصية معصية . ولهذا يؤاخذ الفاعل والراضى بعقوبة العاصى حتى يهكلوا جميعا . وهذه المماثلة ليست في جميع الصفات ولكنه إلزام شبه بحكم الظاهر من المقارنة .

ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بالوعيد الشديد للكافرين والمنافقين فقال: { إِنَّ الله جَامِعُ المنافقين والكافرين فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا } لأن هذين الفريقين كما اجتمعوا في الدنيا على الكفر بآيات الله والاستهزاء بها والتواصى بالشرور والآثام ، فسيجمعهم الله جميعًا في جهنم يوم القيامة ، بسبب ما قدمت أيدهم من جرائم ومنكرات .

فأنت ترى أن الآية الكريمة تنهى المؤمنين عن مجالسة الكافرين بآيات الله والمستهزئين بها ، لأن أول الشر سماع الشر ، ولأن أول مراتب ضعف الإِيمان أن تفتر حماسة المؤمن في الدفاع عن الحق الذى آمن به .

ومن علامات المؤمن الصادق أنه متى سمع استهزاء بتعاليم دينه فعليه إما أن ينبرى للدفاع عن هذه التعاليم بشجاعة وحماسة وقوله تدمع الباطل وأهله وتفضح كل معمتد أثيم . . وإما أن يقاطع المحالس التى لا يحترم فيها دين الله . أما السكوت عن ذلك باسم التغاضى أو التسامح أو المرونة . أو بغير ذلك من الأسماء ، فهذا أو مراتب النفاق الذى يؤدى إلى خزى الدنيا وعذاب الآخرة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت