فهرس الكتاب

الصفحة 154 من 207

وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (51) سورة المائدة

ويحسن أن نبين أولا معنى الولاية التي ينهى الله الذين آمنوا أن تكون بينهم وبين اليهود والنصارى . .

إنها تعني التناصر والتحالف معهم . ولا تتعلق بمعنى اتباعهم في دينهم . فبعيد جدا أن يكون بين المسلمين من يميل إلى اتباع اليهود والنصارى في الدين . إنما هو ولاء التحالف والتناصر , الذي كان يلتبس على المسلمين أمره , فيحسبون أنه جائز لهم , بحكم ما كان واقعا من تشابك المصالح والأواصر , ومن قيام هذا الولاء بينهم وبين جماعات من اليهود قبل الإسلام , وفي أوائل العهد بقيام الإسلام في المدينة , حتى نهاهم الله عنه وأمر بإبطاله . بعد ما تبين عدم إمكان قيام الولاء والتحالف والتناصر بين المسلمين واليهود في المدينة . .

وهذا المعنى معروف محدد في التعبيرات القرآنية . وقد جاء في صدد الكلام عن العلاقة بين المسلمين في المدينة والمسلمين الذين لم يهاجروا إلى دار الإسلام:فقال الله سبحانه: (ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا) . . وطبيعي أن المقصود هنا ليس الولاية في الدين . فالمسلم ولي المسلم في الدين على كل حال . إنما المقصود هو ولاية التناصر والتعاون . فهي التي لا تقوم بين المسلمين في دار الإسلام والمسلمين الذين لم يهاجروا إليهم . . وهذا اللون من الولاية هو الذي تمنع هذه الآيات أن يقوم بين الذين آمنوا وبين اليهود والنصارى بحال , بعد ما كان قائما بينهم أول العهد في المدينة .

إن سماحة الإسلام مع أهل الكتاب شيء , واتخاذهم أولياء شيء آخر , ولكنهما يختلطان على بعض المسلمين , الذين لم تتضح في نفوسهم الرؤية الكاملة لحقيقة هذا الدين ووظيفته , بوصفه حركة منهجية واقعية , تتجه إلى إنشاء واقع في الأرض , وفق التصور الإسلامي الذي يختلف في طبيعته عن سائر التصورات التي تعرفها البشرية ; وتصطدم - من ثم - بالتصورات والأوضاع المخالفة , كما تصطدم بشهوات الناس وانحرافهم وفسوقهم عن منهج الله , وتدخل في معركة لا حيلة فيها , ولا بد منها , لإنشاء ذلك الواقع الجديد الذي تريده , وتتحرك إليه حركة إيجابية فاعلة منشئة . .

وهؤلاء الذين تختلط عليهم تلك الحقيقة ينقصهم الحس النقي بحقيقة العقيدة , كما ينقصهم الوعي الذكي لطبيعة المعركة وطبيعة موقف أهل الكتاب فيها ; ويغفلون عن التوجيهات القرآنية الواضحة الصريحة فيها , فيخلطون بين دعوة الإسلام إلى السماحة في معاملة أهل الكتاب والبر بهم في المجتمع المسلم الذي يعيشون فيه مكفولي الحقوق , وبين الولاء الذي لا يكون إلا لله ورسوله وللجماعة المسلمة . ناسين ما يقرره القرآن الكريم من أن أهل الكتاب . . بعضهم أولياء بعض في حرب الجماعة المسلمة . . وأن هذا شأن ثابت لهم , وأنهم ينقمون من المسلم إسلامه , وأنهم لن يرضوا عن المسلم إلا أن يترك دينه ويتبع دينهم . وأنهم مصرون على الحرب للإسلام وللجماعة المسلمة . وأنهم قد بدت البغضاء من أفواهم وما تخفي صدورهم أكبر . . إلى آخر هذه التقريرات الحاسمة .

إن المسلم مطالب بالسماحة مع أهل الكتاب , ولكنه منهي عن الولاء لهم بمعنى التناصر والتحالف معهم . وإن طريقه لتمكين دينه وتحقيق نظامه المتفرد لا يمكن أن يلتقي مع طريق أهل الكتاب , ومهما أبدى لهم من السماحة والمودة فإن هذا لن يبلغ أن يرضوا له البقاء على دينه وتحقيق نظامه , ولن يكفهم عن موالاة بعضه لبعض في حربه والكيد له . .

وسذاجة أية سذاجة وغفلة أية غفلة , أن نظن أن لنا وإياهم طريقا واحدا نسلكه للتمكين للدين ! أمام الكفار والملحدين ! فهم مع الكفار والملحدين , إذا كانت المعركة مع المسلمين !!!

وهذه الحقائق الواعية يغفل عنها السذج منا في هذا الزمان وفي كل زمان ; حين يفهمون أننا نستطيع أن نضع أيدينا في أيدي أهل الكتاب في الأرض للوقوف في وجه المادية والإلحاد - بوصفنا جميعا أهل دين ! - ناسين تعليم القرآن كله ; وناسين تعليم التاريخ كله . فأهل الكتاب هؤلاء هم الذين كانوا يقولون للذين كفروا من المشركين: (هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلًا) . . وأهل الكتاب هؤلاء هم الذين ألبوا المشركين على الجماعة المسلمة في المدينة , وكانوا لهم درعا وردءا . وأهل الكتاب هم الذين شنوا الحروب الصليبية خلال مائتي عام , وهم الذين ارتكبوا فظائع الأندلس , وهم الذي شردوا العرب المسلمين في فلسطين , وأحلوا اليهود محلهم , متعاونين في هذا مع الإلحاد والمادية ! وأهل الكتاب هؤلاء هم الذين يشردون المسلمين في كل مكان . . في الحبشة والصومال واريتريا والجزائر , ويتعاونون في هذا التشريد مع الإلحاد والمادية والوثنية , في يوغسلافيا والصين والتركستان والهند , وفي كل مكان !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت