فهرس الكتاب

الصفحة 194 من 207

والتمكين: التثبيت والتوطيد والتمليك . يقال: تمكن فلان من الشىء ، إذا حازه وقدر عليه .

أى: وعد الله المؤمنين بأن يجعلهم خلفاءه في أرضه ، وبأن يجعل دينهم وهو دين الإسلام الذى ارتضاه لهم . ثابتا في القلوب ، راسخا في النفوس . باسطا سلطانه على أعدائه ، له الكلمة العليا في هذه الحياة ، ولمخالفيه الكلمة السفلى .

وأما الوعد الثالث فهو قوله - سبحانه -:"وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا".

أى: وعدهم الله - تعالى - بالاستخلاف في الأرض ، وبتمكين دينهم . وبأن يجعل لهم بدلا من الخوف الذى كانوا يعيشون فيه ، أمنا واطمئنانا ، وراحة في البال ، وهدوءا في الحال .

قال الربيع بن أنس عن أبى العالية في هذه الآية:"كان النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه بمكة نحوا من عشر سنين . يدعون إلى الله وحده . . . وهم خائفون ، فلما قدموا المدينة أمرهم الله بالقتال ، فكانوا بها خائفين ، يمسون في السلاح ويصبحون في السلاح . فصبروا على ذلك ما شاء الله . ثم إن رجلا من الصحابة قال: يا رسول الله:"أبد الدهر نحن خائفون هكذا؟ أما يأتى علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح؟ فقال صلى الله عليه وسلم لن تَغْبَرُوا - أى: لن تمكثوا - إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيا ليست فيهم حديدة"".

وأنزل الله هذه الآية فأظهر الله نبيه على جزيرة العرب فآمنوا ووضعوا السلاح . . .

ولكن هذا الاستخلاف والتمكين والأمان متى يتحقق منه - سبحانه - لعباده؟

لقد بين الله - تعالى - الطريق إلى تحققه فقال { يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا } فهذه الجملة الكريمة يصح أن تكون مستأنفة ، أى: جوابا لسؤال تقديره متى يتحقق هذا الاستخلاف والتمكين والأمان بعد الخوف للمؤمنين؟ فكان الجواب: يعبدوننى عبادة خالصة تامة مستكملة لكل شروطها وآدابها وأركانها ، دون أن يشركوا معى في هذه العبادة أحدا كائنا من كان .

كما يصح أن تكون حالا من الذين آمنوا ، فيكون المعنى: وعد الله - تعالى - عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، بالاستخلاف في الأرض ، وبتمكين دينهم فيها . وبتبديل خوفهم أمنا ، في حال عبادتهم له - سبحانه - عبادة لا يشوبها شرك أو رياء أو نقص .

وروى الإمام أحمد عن أبى بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة ، والدين والنصر والتمكين في الأرض ، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا ، لم يكن له في الآخرة نصيب". ذلك هو وعد الله - تعالى - لعباده الذين أخلصوا له العبادة والطاعة ، وأدوا ما أمرهم به ، واجتنبوا ما نهاهم عنه ، أما الذين انحرفوا عن طريق الحق . وجحدوا نعمه - سبحانه - عليهم ، فقد بين عاقبتهم فقال: { وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذلك فأولئك هُمُ الفاسقون } .

أى: ومن كفر بعد كل هذه النعم التى وعدت بها عبادى الصالحين ، واستعمل هذه النعم في غير ما خلقت له ، فأولئك الكافرون الجاحدون هم الفاسقون عن أمرى ، الخارجون عن وعدى ، الناكبون عن صراطى .

وهكذا نرى الآية الكريمة قد جمعت أطراف الحكمة من كل جوانبها ، فقد رغبت المؤمنين في إخلاص العبادة لله - تعالى - بأسمى ألوان الترغيب ، حيث بينت لهم أن هذه العبادة سيترتب عليها الاستخلاف والتمكين والأمان . ثم رهبت من الكفر والجحود ، وبينت أن عاقبتهما الفسوق والحرمان من نعم الله - تعالى - .

قال تعالى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54) إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْغَالِبُونَ (56) المائدة

إن اختيار الله للعصبة المؤمنة , لتكون أداة القدر الإلهي في إقرار دين الله في الأرض , وتمكين سلطانه في حياة البشر , وتحكيم منهجه في أوضاعهم وأنظمتهم , وتنفيذ شريعته في أقضيتهم وأحوالهم , وتحقيق الصلاح والخير والطهارة والنماء في الأرض بذلك المنهج وبهذه الشريعة . . إن هذا الاختيار للنهوض بهذا الأمر هو مجرد فضل الله ومنته . فمن شاء أن يرفض هذا الفضل وأن يحرم نفسه هذه المنة . . فهو وذاك , والله غنى عنه - وعن العالمين . والله يختار من عباده من يعلم أنه أهل لذلك الفضل العظيم .

والصورة التي يرسمها للعصبة المختارة هنا , صورة واضحة السمات قوية الملامح , وضيئة جذابة حبيبة للقلوب:

(فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه) . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت