قال تعالى: { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا (1) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (2) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (3) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (4) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآَبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (5) } سورة الكهف
وفي ظلال القرآن - (ج 5 / ص 53)
ومنذ الآية الأولى تتضح المعالم , فلا لبس في العقيدة ولا غموض:الله هو الذي أنزل الكتاب , والحمد له على تنزيله . ومحمد هو عبد لله . فالكل إذن عبيد , وليس لله من ولد ولا شريك .
والكتاب لا عوج له . . (قيما) . .
يتكرر معنى الاستقامة مرة عن طريق نفي العوج , ومرة عن طريق إثبات الاستقامة . توكيدا لهذا المعنى وتشديدا فيه .
بدء فيه استقامة ، وفيه صرامة . وفيه حمد لله على إنزاله الكتاب { على عبده } بهذه الاستقامة ، لا عوج فيه ولا التواء ، ولا مداراة ولا مداورة: { لينذر بأسًا شديدًا من لدنه } .
ومنذ الآية الأولى تتضح المعالم ، فلا لبس في العقيدة ولا غموض: الله هو الذي أنزل الكتاب ، والحمد له على تنزيله ، ومحمد هو عبد لله . فالكل إذن عبيد ، وليس لله من ولد ولا شريك .
والكتاب لا عوج له . . { قيمًا } . . يتكرر معنى الاستقامة مرة على طريق نفي العوج ، ومرة عن طريق إثبات الاستقامة . توكيدًا لهذا المعنى وتشديدًا فيه .
والغرض من إنزال الكتاب واضح صريح: { لينذر بأسًا شديدًا من لدنه ، ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرًا حسنًا } .
ويغلب ظل الإنذار الصارم في التعبير كله . فهو يبدأ به على وجه الإجمال: { لينذر بأسًا شديدًا من لدنه } . ثم يعود إليه على وجه التخصيص: { وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدًا } . . وبينهما تبشير للمؤمنين { الذين يعملون الصالحات } بهذا القيد الذي يجعل للإيمان دليله العملي الظاهر المستند إلى الواقع الأكيد .
ثم يأخذ في كشف المنهج الفاسد الذي يتخذونه للحكم على أكبر القضايا وأخطرها . قضية العقيدة: { ما لهم به من علم ولا لآبائهم } . .
فما أشنع وما أفظع أن يفضوا بهذا القول بغير علم ، هكذا جزافًا:
{ كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبًا } . .
وتشترك الألفاظ بنظمها في العبرة وجرسها في النطق في تفظيع هذه الكلمة التي يقولونها . فهو يبدأ بكلمة { كبرت } لتجبه السامع بالضخامة والفظاعة وتملأ الجو بهما . ويجعل الكلمة الكبيرة تمييزًا لضميرها في الجملة: { كبرت كلمة } زيادة في توجيه الانتباه إليها . ويجعل هذه الكلمة تخرج من أفواههم خروجًا كأنما تنطلق منها جزافًا وتندفع منها اندفاعًا { تخرج من أفواههم } . وتشارك لفظة { أفواههم } بجرسها الخاص في تكبير هذه الكلمة وتفظيعها ، فالناطق بها يفتح فاه في مقطعها الأول بما فيه من مد: { أفوا . . . } ثم تتوالى الهاءان فيمتلئ الفم بهما قبل أن يطبق على الميم في نهاية اللفظة: { أفواههم } . وبذلك يشترك نظم الجملة وجرس اللفظة في تصوير المعنى ورسم الظل . ويعقب على ذلك بالتوكيد عن طريق النفي والاستثناء: { إن يقولون إلا كذبًا } : ويختار للنفي كلمة: { إن } لاكلمة { ما } لأن في الأولى صرامة بالسكون الواضح ، وفي لفظ { ما } شيء من الليونة بالمد . . وذلك لزيادة التشديد في الاستنكار ، ولزيادة التوكيد لكذب هذه الكلمة الكبيرة . .وفيما يشبه الإنكار يخاطب الرسول صلى الله عليه وسلم الذي كان يحزنه أن يكذب قومه بالقرآن ويعرضوا عن الهدى ، ويذهبوا في الطريق الذي يعلم صلى الله عليه وسلم أنه مود بهم إلى الهلاك .
وفي الوسيط - (ج 1 / ص 2688)
وقوله: { الذي أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا قَيِّمًا . . } بيان للأسباب التى توجب على الناس أن يجعلوا حمدهم وعبادتهم لله - تعالى - وحده ، إذ الوصف بالموصول ، يشعر بعلية ما في حيز الصلة لما قبله .
والعوج - بكسر العين - أكثر ما يكون استعمالا في المعانى ، تقول ، هذا كلام لا عوج فيه ، أى: لا ميل فيه .
أما العوج - بفتح العين - فأكثر ما يكون استعمالا في الأعيان تقول: هذا حائط فيه عوج .
وقوله: { قيما } أى: مستقيما معتدلا لا ميل فيه ولا زيغ وهما - أى: عوجا وقيما - حالان من الكتاب ويصح أن يكون قوله { قيما } منصوبا بفعل محذوف أى: جعله قيما .
والمعنى: الحمد الكامل ، والثناء الدائم ، لله - تعالى - وحده ، الذى أنزل على عبده محمد صلى الله عليه وسلم القرآن الكريم ، ولم يجعل فيه شيئا من العوج أو الاختلاف أو التناقض ، لا في لفظه ، ولا في معناه ، وإنما جعله في أسمى درجات الاستقامة والإِحكام .