فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 207

وإنما أمر الله - تعالى - الناس بأن يحمدوه لإِنزال الكتاب على عبده محمد صلى الله عليه وسلم لأن في هذا الكتاب من الهدايات ما يخرجهم من الظلمات إلى النور ، وما يسعدهم في دينهم ودنياهم وآخرتهم .

وفى التعبير عن الرسول صلى الله عليه وسلم بالعبد ، مضافا إلى ضميره - تعالى - ، تعظيم وتشريف له صلى الله عليه وسلم وإشعار بأنه مهما سمت منزلته ، وعلت مكانته"فهو عبد الله - تعالى - ، وأن الذين بعدوا أو أشركوا مع الله - تعالى - بعض مخلوقاته ، قد ضلوا ضلالا بعيدا".

والتعبير عن القرآن الكريم بالكتاب ، إشارة إلى كماله وشهرته ، أى: أنزل - سبحانه - على عبده محمد صلى الله عليه وسلم الكتاب الكامل في بابه ، الغنى عن التعريف ، الحقيق باختصاص هذا الاسم به ، المعروف بهذا الاسم من بين سائر الكتب .

والمراد به إما جميع القرآن الكريم سواء منه ما نزل فعلا وما هو مترقب النزول ، وإما ما نزل منه فقط حتى نزول هذه الآية فيكون من باب التعبير عن البعض بالكل تحقيقا للنزول للجميع .

وجاء لفظ { عوجا } بصيغة التنكير ، ليشمل النهى جميع أنواع الميل والعوج ، إذ النكرة في سياق النفى تعم ، أى: لم يجعل له - سبحانه - أى شئ من العوج . وقوله: { قيما } تأكيد في المعنى لقوله - سبحانه -: { وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا } لأنه قد يكون الشئ مستقيما في الظاهر ، إلا أنه لا يخلو عن اعوجاج في حقيقة الأمر ، ولذا جمع - سبحانه - بين نفى العوج ، وإثبات الاستقامة .

قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما فائدة الجمع بين نفى العوج وإثبات الاستقامة ، وفى أحدهما غنى عن الآخر؟

قلت: فائدته التأكيد ، فرب مستقيم مشهود له بالاستقامة ، ولا يخلو من أدنى عوج عند السبر والتصفح ، وقيل: قيما على سائر الكتب ، مصدقا لها ، شاهدا بصحتها ، وقيل: قيما بمصالح العباد وما لا بد لهم منه من الشرائع .

وشبيه بهذه الآية في مدح القرآن الكريم قوله - تعالى -: { كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ الناس مِنَ الظلمات إِلَى النور بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إلى صِرَاطِ العزيز الحميد } وقوله - سبحانه - . { إِنَّ هذا القرآن يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ . . } وقوله - عز وجل: { وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هذا القرآن مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } وقوله - تعالى -: { أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرآن وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيرًا } ثم شرع - سبحانه - في بيان وظيفة القرآن الكريم ، بعد أن وصفه بالاستقامة والإِحكام ، فقال: { لِّيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ . . } .

والإِنذار: الإِعلام المقترن بتخويف وتهديد ، فكل إنذار إعلام ، وليس كل إعلام إنذارا .

واللام في قوله { لينذر } متعلقة بأنزل ، والبأس: العذاب ، وهو المفعول الثانى للفعل ينذر ، ومفعوله الأول محذوف .

والمعنى: أنزل - سبحانه - على عبده الكتاب حالة كونه لم يجعل له عوجا بل جعله مستقيما ، لينذر الذين كفروا عذابا شديدا ، صادرا من عنده - تعالى - .

والتعبير بقوله { من لدنه } يشعر بأنه عذاب ليس له دافع ، لأنه من عند الله تعالى - القاهر فوق عباده .

أما وظيفة القرآن بالنسبة للمؤمنين ، فقد بينها - سبحانه - بعد ذلك في قوله: { وَيُبَشِّرَ المؤمنين الذين يَعْمَلُونَ الصالحات أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا } .

أى: أنزل الله هذا القرآن ، ليخوف به الكافرين من عذابه ، وليبشر به المؤمنين الذين يعملون الأعمال الصالحات ، أن لهم من خالقهم - عز وجل - أجرًا حسنا هو الجنة ونعيمها ، { مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا } أى: مقيمين فيه إقامة باقية دائمة لا انتهاء لها ، فالضمير في قوله { فيه } يعود إلى الأجر الذى يراد به الجنة .

قال - تعالى -: { فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ المتقين وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا } ثم خص - سبحانه - بالإِنذار فرقة من الكافرين ، نسبوا إلى الله - تعالى - ما هو منزه عنه ، فقال: { وَيُنْذِرَ الذين قَالُواْ اتخذ الله وَلَدًا مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا } .

فقوله - سبحانه - هنا: { وَيُنْذِرَ الذين قَالُواْ اتخذ الله وَلَدًا . . } معطوف على قوله قبل ذلك { لِّيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ } من باب عطف الخاص على العام لأن الانذار في الآية الأولى يشمل جميع الكافرين ومن بينهم الذين نسبوا إلى الله - تعالى - الولد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت