الباب أي: حاول كل واحد منهما الابتدار والوصول إلى الباب قبل الآخر .
وقوله { إلى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } استئناف مسوق مساق التعليل لاستباق الخيرات .
وقوله { فَيُنَبِّئُكُم } أي فيخبركم والمراد بالإِنباء والإِخبار هنا المجازاة على الأعمال ، وإنا عبر عنها بالإِنباء لوقوعها موقع إزالة موقع إزالة الاختلاف التي هي وظيفة الأنبياء .
أي: إلى الله وحده مصيركم ومرجعكم ، فيخبركم عند الحساب بما كنتم تختلفون فيه في الدنيا ، ويجازيكم بما تستحقون: فأما الذين آمنوا وعملوا الصلاحات فلهم منه - سبحانه - جزيل الثواب . وأما الذين طغوا وآثروا الحياة الدنيا فلهم من شديد العقاب .
ثم كرر - سبحانه - الأمر لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم بأن يحكم بين الهيود وغيرهم بما أنزله الله - تعالى - وحذره من مكرهم وكيدهم فقال: { وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ الله وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ واحذرهم أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ الله إِلَيْكَ } .
أخرج ابن جرير عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال كعب بن أسد وابن صوريا وشاس بن قيس بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه: فأتوه فقالوا: يا محمد ، إنك قد عرفت أنا أحبار اليهود وأشرافهم وسادتهم ، وإنا إن اتبعناك اتبعك يهود ولم يخالفونا . وإن بيننا وبين قومنا خصومة فنحاكمهم إليك فتقضى لنا عليهم ، ونؤمن لك ونصدق فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك . فأنزل الله فيهم: { وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ الله وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ } .
إلى قوله: { وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ } .
وقوله: { وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ الله } في محل نصب عطفا على الكتاب في قوله: { وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الكتاب بالحق } .
وقوله: { أَن يَفْتِنُوكَ } بدل اشتمال من المفعول في { واحذرهم } كأنه قيل: واحذر فتنتهم كما تقول: أعجبني زيد علمه .
والمراد بالفتنة هنا محاولة إضلاله وصرفه عن الحكم بما أنزل الله .
والمعنى: وأنزلنا إليك الكتاب يا محمد فيه حكم الله ، وأنزلنا إليك فيه أن أحكم بينهم بما أنزل الله ، ولا تتبع أهواء هؤلاء اليهود الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا ، واحذرهم أن يضلوك أو يصدوك عن بعض ما أنزلناه إليك ولو كان أقل قليل؛ بأن يصوروا لك الباطل في صورة الحق ، أو بأن يحاولوا حملك على الحكم الذي يناسب شهواتهم:
وقد كرر - سبحانه - على نبيه صلى الله عليه وسلم وجوب التزامه في أحكامه بما أنزل الله ، لتأكيد هذا الأمر في مقام يستدعي التأكيد ، لأن اليهود كانوا لا يكفون عن محاولتهم فتنته صلى الله عليه وسلم وإغراءه بالميل إلى الأحكام التي تتفق مع أهوائهم ، ولأنه قد جاء في الآية السابقة ما قد يوهم بأن لكل قوم شريعة خاصة بهم { لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا } وأن حكم القرآن ليس له صفة العموم فأراد - سبحانه - أن ينفي هذا الوهم نفيا واضحا وأن يؤكد أن شريعته القرآن هي الشريعة العامة الخالدة التي يجب أن يتحاكم إليها الناس في كل زمان ومكان ، لأنها نسخت ما سبقها من شرائع .
وقوله - تعالى - { واحذرهم أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ الله إِلَيْكَ } تيئيس لأولئك اليهود الذين حاولوا إغراء الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يقضي لهم بما يرضيهم لكي يرضيهم لكي يتبعوه ، ونهى له صلى الله عليه وسلم ولأتباعه عن الاستجابة لأهواء هؤلاء ولو في أقل القليل مما يتنافى مع الحق الذي أمره الله - تعالى - بالسير عليه في القضاء بين الناس .
ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة كل من يعرض عن حكم الله - تعالى - فقال: { فَإِن تَوَلَّوْاْ فاعلم أَنَّمَا يُرِيدُ الله أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ } .
أي: فإن توولا عن حكمك ، وأعرضوا عنك بعد تحاكمهم إليك وأرادوا الحكم بغير ما أنزل الله . فاعلم أن حكمة الله قد اقتضت أن يعاقبهم بسبب بعض هذه الذنوب التي اقترفوها بتوليهم عن حكم الله ، وإعراضهم عنك ، وانصرافهم عن الهدى والرشاد إلى الغي والضلال ، لأن الأمة التي لا تخضع لحكم شرع الله ، وتسير وراء لذائذها ومتعها وشهواتها وأهوائها الباطلة ، لابد أن يصيبها العقاب الشديد بسبب ذلك .
وعبر - سبحانه - عما يصيبهم من عقاب بأنه بسبب ارتكابهم لبعض الذنوب ، للإِشارة بأن لهم ذنوبا كثيرة بعضها كاف لإنزال العقوبة الشديدة بهم .
وقوله: { وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الناس لَفَاسِقُونَ } اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبله ، ومتضمن تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عما لقيه من مخالفيه ولا سيما اليهود .
أي: وإن كثيرا من الناس لخارجون عن طاعتنا ، ومتمردون على أحكامنا ، ومتبعون لخطوات الشيطان الذي استحوذ عليهم ، وإذا كان الأمر كذلك فلا تبتئس يا محمد عما لقيه من أصحاب النفوس المريضة ، بل اصبر حتى يحكم الله بينك وبينهم .