فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 207

وقد تكلم عن هذا المعنى الإمام ابن كثير فقال: قوله: { لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا } هذا إخبار عن الأمم المختلفة الأديان باعتبار ما بعث الله به رسله الكرام من الشرائع المختلفة في الأحكام المتفقة في التوحيد . كما ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"نحن معاشر الأنبياء إخوة لعلات - أمهاتهم شتى - ودينهم واحد"يعني بذلك التوحيد الذي بعث الله به كل رسول أرسله ، وضمنه كل كتاب أنزله ، كما قال - تعالى -: { وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نوحي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إله إِلاَّ أَنَاْ فاعبدون } وأما الشرائع فمختلفة في الأوامر والنواهي فقد يكون الشيء في هذه الشريعة حرامًا ثم يحل في الشريعة الأخرى . كما قال - تعالى - في شأن شريعة عيسى: { وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الذي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ } وبالعكس ، قد يكون الشيء حلالا في هذه الشريعة ثم يحرم فيي شريعة أخرى ، فيزداد في الشدة في هذه دون هذه ، وذلك لما له - تعالى - في ذلك من الحكمة البالغة ، والحجة الدامغة .

وقال الآلوسي ما ملخصه: وقوله: { لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا } الخطاب فيه - كما قال جماعة من المفسرين - للناس كافة الموجودين والماضين بطريق التغليب . واستدل بالآية من ذهب إلى أننا غير متعبدين بشرائع من قبلنا ، لأن الخطاب يعم الأمم ، واللام للاختصاص فيكون لكل أمة دين يخصها .

والتحقيق في هذا المقام أننا متعبدون بأحكام الشرائع السابقة من حيث إنها أحكام شريعتنا لا من حيث إنها شريعة للأولين .

ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر قدرته ، وبالغ حكمته فقال: { وَلَوْ شَآءَ الله لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ولكن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم } .

ومفعول المشيئة هنا محذوف لدلالة الجزاء عليه .

وقوله: { ولكن لِّيَبْلُوَكُمْ } متعلق بمحذوف يستدعيه المقام .

والابتلاء: الاختبار والامتحان ليميز المطيع من المعاصي .

والمعنى: لو شاء الله - تعالى - أن يجعل الأمم جميعا أمة واحدة تدين بدين واحد وبشريعة واحدة لفعل ، لأنه - سبحانه - لا يعجزه شيء ولكنه - سبحانه - لم يشأ ذلك ، وإنما شاء أن يجعلكم أمما متعددة ليختبركم فيما آتاكم من شرائع مختلفة في بعض فروعها ولكنها متحدة في جوهرها وأصولها فيجازي من أطاعة بما يستحقه من ثواب؛ ويجازي من خالف أمره بما يستحقه من عذاب .

وقوله: { فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ } حض منه - سبحانه - لعباده على الاجتهاد في فعل الطاعات .

أي إذا كان الأمر كماوصفت لكم . فسارعوا إلى القيام بالأعمال الصالحة التي تسعدكم في الدنيا والآخرة ، وتنافسوا في تحصيلها بكل عزيمة ونشاط لتنالوا رضا الله - تعالى - وجزيل مثوبته .

{ فَاسْتَبِقُوا } بمعنى فتسابقوا ، ولتضمنه معنى السبق والابتدار تعدي بنفسه من غير إلى كما في قوله - تعالى - واستبقا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت