فهرس الكتاب

الصفحة 151 من 207

والباء في قوله: { بِغَيْظِكُمْ } للملابسة ، أى موتوا متلبسين بغيظكم وحقدكم .

وقوله: { إِنَّ الله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور } أى محيط بما خفى فيها ، ومطلع على ما يبيته هؤلاء المنافقون للمسلمين ، وسيحاسبهم عليه حسابا عسيرًا . ويعذبهم بسبب ذلك عذابا اليما .

قال الجمل: وهذه الجملة يحتمل أن تكون مستأنفة ، أخبر الله - تعالى - بذلك . لأنهم كانوا يخفون غيظهم ما أمكنهم ، فذكر ذلك لهم على سبيل الوعيد . ويحتمل أن تكون من جملة المقول ، أى قل لهم كذا وكذا فتكون في محل نصب بالقول ، ومعنى قوله: { بِذَاتِ الصدور } أى بالمضمرات ذوات الصدور .

فذات هنا تأنيث ذى بمعنى صاحبة الصدور . وجعلت صاحبة للصدور لملازمتها لها وعدم انفكاكها عنها ، نحو أصحاب الجنة وأصحاب النار .

وفى هذه الجملة الكريمة تطييب لقلب النبى صلى الله عليه وسلم ولقلوب أصحابه . حيث بين - سبحانه - لهم أنه ناصرهم ، وأنه كاشف لهم أمر أعدائهم متى أطاعوا أوامره ، واجتنبوا نواهيه ، ولم يجعلوا من أولئك الأعداء الذين يضمرون لهم كل شر وضغينة بطانة لهم .

ثم ذكر - سبحانه - لونا آخر من ألوان بغض هؤلاء الكافرين للمؤمنين فقال - سبحانه -: { إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا } والمس: أصله الجس باليد . أطلق على كل ما يصل إلى الشىء على سبيل التشبيه ، فيقال: فلان مسه النصب أو التعب ، أى أصابه .

والمراد بالحسنة هنا منافع الدنيا على اختلاف ألوانها ، كصحة البدن ، وحصول النصر ، ووجود الألفة والمحبة بين المؤمنين .

أى إن تمسسكم - أيها المؤمنون - حسنة كنصركم على أعدائكم . وإصلاح ذات بينكم ، { تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ } كنزول مصيبة بكم ، يفرحوا بها . أى يبتهجوا بها ، وتستطار ألبابهم سرورا وحبورا بسبب ما نزل بكم من مكاره .

فالجملة الكريمة بيان لفرط عداوة هؤلاء المنافقين للمؤمنين ، حيث يحسدونهم على ما ينالهم من خيرن ويشمتون بهم عندما ينزل بهم شر .

وعبر في جانب الحسنة بالمس ، وفى جانب السيئة بالإصابة ، للإشارة إلى تمكن الأحقاد من قلوبهم ، بحيث إن أى حسنة حتى ولو كان مسها للمؤمنين خفيفًا وليس غامرًا عاما فإن هؤلاء المنافقين يحزنون لذلك ، لأنهم يستكثرون كل خير للمؤمنين حتى ولو كان هذا الخير ضئيلا .

أما بالنسبة لما يصيب المؤمنين من مكاره ، فإن هؤلاء المنافقين لا يفرحون بالمصيبة التى تمس المؤمنين مسًا خفيفًا ، فإنها لا تشفى غيظهم وحقدهم ، وإنما يفرحون بالمصائب الشديدة الت تؤذى المؤمنين في دينهم ودنياهم أذى شديدا ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بغرشاد المؤمنين إلى الدواء الذى يتقون به كيد أعدائهم وأعدائه فقال - تعالى -: { وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ الله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ } .

وقوله: { تَصْبِرُواْ } من الصبر وهو حبس النفس على ما يقتضيه الشرع والعقل .

وقوله: { وَتَتَّقُواْ } من التقوى وهى صيانة الإنسان نفسه عن محارم الله .

وقوله: { كَيْدُهُمْ } من الكيد وهو أن يحتال الشخص ليوقع غيره في مكروه .

والمعنى: { وَإِن تَصْبِرُواْ } أيها المؤمنون على طاعة الله ، فتضبطوا أنفسكم ولا تنساقوا في مبحة من لا يستحق المحبة ، وتتحملوا بعزيمة صادقة مشاق التكاليف التى كلفكم الله بها ، وتقاوموا العداوة بمثلها { وَتَتَّقُواْ } الله - تعالى - في كل ما نهاكم عنه ، وتمتثلوا أمره في كل ما أمركم به ، إن فعلتم ذلك { لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ } وتدبيرهم السىء { شَيْئًا } من الضرر ببركة هاتين الفضيلتين: الصبر والتقوى ، فإنهما جامعتان لمحاسن الطاعات ، ومكارم الأخلاق .

وإن لم تفعلوا ذلك اصابكم الضرر ، واستمكنوا منكم بكيدهم ومكرهم ، قال الجمل ما ملخصه: وقوله: { لاَ يَضُرُّكُمْ } وردت فيه قراءتان سبعيتان:

إحداهما: بضم الضاد وضم الراء مع التسديد - من ضر يضر .

والثانية: { لاَ يَضِرْكُمْ } بكسر الضاد وسكون الراء - من ضار يضير . والفعل في كليهما مجزوم جوابًا للشرط ، وجزمه على القراءة الثانية"يضركم"ظاهر ، وعلى القراءة الأولى"يضركم"يكون مجزومًا بسكون مقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة الإتباع للتخلص من التقاء الساكنين ، وأصل الفعل يضرركم - بوزن ينصركم - نقلت حركة الراء الأولى إلى الضاد ثم أدغمت في الثانية ، وحركت الثانية بالضم إتباعًا لحركة الضاد"."

وقوله: { شَيْئًا } نصب على المصدرية . أى لا يضركم كيدهم شيئًا من الضرر لا قليلا ولا كثيرا بسبب اعتصامكم بالصبر والتقوى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت