ولا شك أن قولهم هذا دليل واضح على خوفهم من تأثير القرآن في القلوب ، هذا التأثير الذى حمل كثيرا منهم عند سماعه على الدخول في الإِسلام ونبذ الكفر والكافرين .
كما يدل على أنهم لعجزهم عن معارضته ، وعن الإِتيان بسورة من مثله ، لجأوا إلى تلك الأساليب السخيفة ، لصرف الناس عن سماع القرآن الكريم .
وقد رد - سبحانه - على فعلهم هذا بما يناسبه من تهديد فقال: { فَلَنُذِيقَنَّ الذين كَفَرُواْ عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الذي كَانُواْ يَعْمَلُونَ }
أى: فوالله لنجعلن الذين كفروا بهذا القرآن والذين شوشوا على قارئيه بالصياح والاستهزاء ، لنجعلنهم يذوقون العذاب الذى يهينهم ، ويحسون به إحساسا أليما . ولنجزينهم في الآخرة الجزاء المناسب لقبح أعمالهم التى عملوها في الدنيا .
قال الآلوسى: قوله - تعالى -: { وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الذي كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أى: جزاء سيئات أعمالهم التى هى في أنفسها أسوأ ، فأفعل للزيادة المطلقة وقيل: إنه - سبحانه - لا يجازيهم بمحاسن كإغاثة الملهوف ، وصلة الأرحام وإكرام الضيف . . لأن هذه الأعمال قد حبطت بسبب كفرهم . .
وقال الجمل في حاشيته: وفى هذا تعريض بمن لا يكون عند سماعه لكلام الله خاضعا خاشعا متفكرا متدبرا . وتهديد ووعيد شديد لمن يصدر عنه عند سماعه ما يشوش على القارئ ويخلط عليه القراءة ، فانظر إلى عظمة القرآن المجيد ، وتأمل في هذا التغليظ والتشديد ، واشهد لمن عظمه وأجل قدره ، وألفى إليه السمع وهو شهيد ، بالفوز العظيم .
واسم الإِشارة في قوله - تعالى -: { ذَلِكَ جَزَآءُ أَعْدَآءِ الله . . . } يعود إلى ما تقدم من العذاب الشديد المعد لهؤلاء الكافرين ، وهو مبتدأ ، وجملة { ذَلِكَ جَزَآءُ أَعْدَآءِ } خبره وقوله { النار } بدل أو عطف بيان .
أى: ذلك العذاب الشديد الذى نذيقه للكافرين جزاء عادل لأعداء الله ، وهذا العذاب الشديد يتمثل في النار التى أعدها - سبحانه - لهم .
وجملة: { لَهُمْ فِيهَا دَارُ الخُلْدِ } مؤكدة لما قبلها . أى: لهم في تلك النار الإِقامة الدائة الباقية المستمرة ، فهى بمثابة الدار المهيأة لسكنهم الدائم .
وقوله - سبحانه -: { جَزَآءً بِمَا كَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ } بيان لحكم الله العادل فيهم .
أى: نجازيهم جزاء أليما بسبب جحودهم لآياتنا الدالة على وحدانيتنا وعلى صدق رسلان .