فهرس الكتاب

الصفحة 137 من 207

على أن الذي انتهى إليه الأمر في مكة أن هذه الأساليب لم تعش طويلًا ; وأن هذا النوع من المناورات قد انكشف بعد حين ; وأن القرآن بسلطانه القاهر الذي يحمله من عند الله ; وبالحق العميق الذي تصطلح عليه الفطرة سريعًا , قد اكتسح هذه الأساليب وهذه المناورات , فلم يقف له منها شيء ; وراح الملأ من قريش - في ذعر - يقولون: (لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون !) ووجد كبراؤهم , من أمثال أبي سفيان , وأبي جهل والأخنس بن شريق أنفسهم يخالس بعضهم بعضًا ليبيت ليلته يستمع خفية لهذا القرآن ; ولا يملك نفسه من أن تقوده قدماه ليلة بعد ليلة إلى حيث يستمع لرسول الله صلى الله عليه وسلم في خفية عن الآخرين ; حتى تعاهدوا وأكدوا على أنفسهم العهود , ألا يعودوا إليها , مخافة أن يراهم الفتية فيفتنوا بهذا القرآن وبهذا الدين !

على أن محاولة النضر بن الحارث أن يلهي الناس عن هذا القرآن بشيء آخر يخدعهم به عنه , لم تكن هي المحاولة الأخيرة ولن تكون . . لقد تكررت في صور شتى وسوف تتكرر . . لقد حاول أعداء هذا الدين دائمًا أن يصرفوا الناس نهائيًا عن هذا القرآن . فلما عجزوا حولوه إلى تراتيل يترنم بها القراء ويطرب لها المستمعون , وحولوه إلى تمائم وتعاويذ يضعها الناس في جيوبهم وفي صدورهم وتحت وسائدهم . . . ويفهمون أنهم مسلمون , ويظنون أنهم أدوا حق هذا القرآن وحق هذا الدين !

لم يعد القرآن في حياة الناس هو مصدر التوجيه . . لقد صاغ لهم أعداء هذا الدين أبدالًا منه يتلقون منها التوجيه في شؤون الحياة كلها . . حتى ليتلقون منها تصوراتهم ومفاهيمهم , إلى جانب ما يتلقون منها شرائعهم وقوانينهم , وقيمهم وموازينهم ! ثم قالوا لهم:إن هذا الدين محترم , وإن هذا القرآن مصون . وهو يتلى عليكم صباحًا ومساء وفي كل حين ; ويترنم به المترنمون , ويرتله المرتلون . . فماذا تريدون من القرآن بعد هذا الترنم وهذا الترتيل ?! فأما تصوراتكم ومفهوماتكم , وأما أنظمتكم وأوضاعكم , وأما شرائعكم وقوانينكم , وأما قيمكم وموازينكم , فإن هناك قرآنا آخر هو المرجع فيها كلها , فإليه ترجعون !

إنها مناورة النضر بن الحارث , ولكن في صورة متطورة معقدة , تناسب تطور الزمان وتعقد الحياة . . ولكنها هي هي في شكل من أشكالها الكثيرة , التي عرفها تاريخ الكيد لهذا الدين , على مدار القرون !

ولكن العجيب في شأن هذا القرآن , أنه - على طول الكيد وتعقده وتطوره وترقيه - ما يزال يغلب ! . . إن لهذا الكتاب من الخصائص العجيبة , والسلطان القاهر على الفطرة , ما يغلب به كيد الجاهلية في الأرض كلها وكيد الشياطين من اليهود والصليبيين ; وكيد الأجهزة العالمية التي يقيمها اليهود والصليبيون في كل أرض وفي كل حين !

إن هذا الكتاب ما يزال يلوي أعناق أعدائه في الأرض كلها ليجعلوه مادة إذاعية في جميع محطات العالم الإذاعية ; بحيث يذيعه - على السواء - اليهود , ويذيعه الصليبيون , ويذيعه عملاؤهم المتسترون تحت أسماء المسلمين !

وحقيقة إنهم يذيعونه بعد أن نجحوا في تحويله في نفوس الناس"المسلمين"! - إلى مجرد أنغام وتراتيل ; أو مجرد تمائم وتعاويذ ! وبعد أن أبعدوه - حتى في خاطر الناس . . المسلمين ! . . من أن يكون مصدر التوجيه للحياة ; وأقاموا مصادر غيره للتوجيه في جميع الشؤون . . ولكن هذا الكتاب ما يزال يعمل من وراء هذا الكيد ; وسيظل يعمل ; وما تزال في أنحاء في الأرض عصبة مسلمة تتجمع على جدية هذا الكتاب , وتتخذه وحده مصدر التوجيه ; وهي ترتقب وعد الله لها بالنصر والتمكين . من وراء الكيد والسحق والقتل والتشريد . . وما كان مرة لا بد أن سيكون . . (الظلال)

وفي الوسيط - (ج 1 / ص 3737)

ثم حكى - سبحانه - ما تواصى به المشركون فيما بينهم فقال: { وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرآن والغوا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ } .

وقوله: { والغوا فِيهِ } من اللغو ، وهو الكلام الساقط الذى لا فائدة فيه يقال: لغا فلان في كلامه يلغو ، إذا نطق بكلام ساقط لا خير فيه .

ويبدو أن هذا الكلام قد قاله الزعماء من كفار مكة لأتباعهم ، فقد ورد عن ابن عباس أنه قال: قال أبو جهل - لأتباعه -: إذا قرأ محمد فصيحوا في وجهه ، حتى لا يدري ما يقول .

أى: وقال زعماء الكفر لأتباعهم: لا تسمعوا لهذا القرآن الذى يقرأه محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، ولا تنصتوا إليه ، بل ابتعدوا عن قارئيه ، والغوا فيه أى: وأظهروا عند قراءته أصواتكم باللغو من القول ، كالتشويش على القارئ ، والتخليط عليه في قراءته بالتصفيق وبرفع الصوت بالخرافات والهذيان . .

{ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ } أى: لعلكم بعملكم هذا تتغلبون على المسلمين ، وتجعلونهم ينصرفون عن قراءة القرآن .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت