فلا عجب مع ذلك أن يأمر الله نبيه أن لا يطيع الكافرين , وألا يتزحزح عن دعوته وأن يجاهدهم بهذا القرآن . فإنما يجاهدهم بقوة لا يقف لها كيان البشر , ولا يثبت لها جدال أو محال . (الظلال)
وقد كانوا يعرضون فلا يسمعون فعلًا , ويتحامون أن يعرضوا قلوبهم لتأثير هذا القرآن القاهر . وكانوا يحضون الجماهير على عدم السماع كما سيجيء قولهم: (لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون) .
وأحيانًا كانوا يسمعون , وكأنهم لا يسمعون , لأنهم يقاومون أثر هذا القرآن في نفوسهم ; فكأنهم صم لا يسمعون !
(وقالوا:قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه , وفي آذاننا وقر , ومن بيننا وبينك حجاب , فاعمل إننا عاملون) . .
قالوا هذا إمعانًا في العناد , وتيئيسًا للرسول صلى الله عليه وسلم ليكف عن دعوتهم , لما كانوا يجدونه في قلوبهم من وقع كلماته , على حين يريدون عامدين ألا يكونوا مؤمنين !
قالوا:قلوبنا في أغطية فلا تصل إليها كلماتك . وفي أذاننا صمم فلا تسمع دعوتك . ومن بيننا وبينك حجاب , فلا اتصال بيننا وبينك . فدعنا واعمل لنفسك فإننا عاملون لأنفسنا . أو إنهم قالوا غير مبالين:نحن لا نبالي قولك وفعلك , وإنذارك ووعيدك . فإذا شئت فامض في طريقك فإنا ماضون في طريقنا . لا نسمع لك وافعل ما أنت فاعل . وهات وعيدك الذي تهددنا به فإننا غير مبالين .
هذا نموذج مما كان يلقاه صاحب الدعوة الأول صلى الله عليه وسلم ثم يمضي في طريقه يدعو ويدعو , لا يكف عن الدعوة , ولا ييأس من التيئيس , ولا يستبطىء وعد الله ولا وعيده للمكذبين . كان يمضي مأمورًا أن يعلن لهم أن تحقق وعيد الله ليس بيده ; فما هو إلا بشر يتلقى الوحي , فيبلغ به , ويدعو الناس إلى الله الواحد . وإلى الاستقامة على الطريق , وينذر المشركين كما أمر أن يفعل . والأمر بعد ذلك لله لا يملك منه شيئًا , فهو ليس إلا بشرًا مأمورًا:
(قل:إنما أنا بشر مثلكم , يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد ; فاستقيموا إليه واستغفروه , وويل للمشركين) . .
يا لعظمة الصبر والاحتمال والإيمان والتسليم ! إنه لا يدرك ما في الصبر على هذه الحال , والتبرؤ من كل حول وقوة في مثل هذا الموقف , واحتمال الإعراض والتكذيب في تبجح واستهتار , دون استعجال الآية التي تردع المعرضين المكذبين المستهترين . . إنه لا يدرك ما في الصبر على هذا الحال من مشقة , ومن عظمة في احتمال هذه المشقة , إلا من يكابد طرفًا من هذا الموقف في واقع الحياة . ثم يمضي في الطريق !
ومن أجل هذا الموقف وأمثاله كان التوجيه إلى الصبر كثير الورود للأنبياء والرسل . فطريق الدعوة هو طريق الصبر . الصبر الطويل . وأول ما يستوجب الصبر تلك الرغبة الملحة في انتظار الدعوة , ثم إبطاء النصر . بل إبطاء أماراته . ثم ضرورة التسليم لهذا والرضى به والقبول !
إن أقصى ما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يؤمر به في مقابلة التبجح والاستهتار أن يقول:
(وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون) . .
وتخصيص الزكاة في هذا الموضع لا بد كانت له مناسبة حاضرة , لم نقف عليها , فهذه الآية مكية . والزكاة لم تفرض إلا في السنة الثانية من الهجرة في المدينة . وإن كان أصل الزكاة كان معروفًا في مكة . والذي جد في المدينة هو بيان أنصبتها في المال , وتحصيلها كفريضة معينة . أما في مكة فقد كانت أمرًا عامًا يتطوع به المتطوعون , غير محدود , وأداؤه موكول إلى الضمير . . أما الكفر بالآخرة فهو عين الكفر الذي يستحق الويل والثبور .
وقد ذكر بعضهم أن المقصود بالزكاة هنا الإيمان والطهارة من الشرك . وهو محتمل كذلك في مثل هذه الظروف . (الظلال)
وما كان هذا القول إلا حلقة من سلسلة المناورات التي كانوا يحاولون أن يقفوا بها في وجه هذا القرآن , وهو يخاطب الفطرة البشرية بالحق الذي تعرفه في أعماقها فتهتز وتستجيب ; ويواجه القلوب بسلطانه القاهر فترتجف لإيقاعه ولا تتماسك . وهنا كان يلجأ العلية من قريش إلى مثل هذه المناورات . وهم يعلمون أنها مناورات ! ولكنهم كانوا يبحثون في القرآن عن شيء يشبه الأساطير المعهودة في أساطير الأمم من حولهم ليموهوا به على جماهير العرب , الذين من أجلهم تطلق هذه المناورات , للاحتفاظ بهم في حظيرة العبودية للعبيد !