فهرس الكتاب

الصفحة 120 من 207

لقد كان هذا هو الموقف الدائم للمشركين وأهل الكتاب من المسلمين . فأما أهل الكتاب فندع الحديث عنهم إلى موعده في المقطع الثاني من السورة ; وأما المشركون فقد كان هذا دأبهم من المسلمين على مدار التاريخ . .

وإذا نحن اعتبرنا أن الإسلام لم يبدأ برسالة محمد صلى الله عليه وسلم إنما ختم بهذه الرسالة . وأنموقف المشركين من كل رسول ومن كل رسالة من قبل إنما يمثل موقف الشرك من دين الله على الإطلاق ; فإن أبعاد المعركة تترامى ; ويتجلى الموقف على حقيقته ; كما تصوره تلك النصوص القرآنية الخالدة , على مدار التاريخ البشري كله بلا استثناء !

ماذا صنع المشركون مع نوح , وهود , وصالح , وإبراهيم , وشعيب , وموسى , وعيسى , عليهم صلوات الله وسلامه والمؤمنين بهم في زمانهم ? ثم ماذا صنع المشركون مع محمد صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به كذلك ? . . إنهم لم يرقبوا فيهم إلا ولا ذمة متى ظهروا عليهم وتمكنوا منهم . .

وماذا صنع المشركون بالمسلمين أيام الغزو الثاني للشرك على أيدي التتار ? ثم ما يصنع المشركون والملحدون اليوم بعد أربعة عشر قرنا بالمسلمين في كل مكان ? . . . إنهم لا يرقبون فيهم إلا ولا ذمة , كما يقرر النص القرآني الصادق الخالد . .

عندما ظهر الوثنيون التتار على المسلمين في بغداد وقعت المأساة الدامية التي سجلتها الروايات التاريخية والتي نكتفي فيها بمقتطفات سريعة من تاريخ"البداية والنهاية"لابن كثير فيما رواه من أحداث عام 656ه:

"ومالوا على البلد فقتلوا جميع من قدروا عليه من الرجال والنساء والولدان والمشايخ والكهول والشبان . ودخل كثير من الناس في الآبار , وأماكن الحشوش , وقنى الوسخ , وكمنوا كذلك أياما لا يظهرون . وكان الجماعة من الناس يجتمعون إلى الخانات , ويغلقون عليهم الأبواب , فتفتحها التتار , إما بالكسر وإما بالنار , ثم يدخلون عليهم , فيهربون منهم إلى أعالى الأمكنة , فيقتلونهم بالأسطحة , حتى تجري الميازيب من الدماء في الأزقة - فإنا لله وإنا إليه راجعون - كذلك في المساجد والجوامع والربط . ولم ينج منهم أحد سوى أهل الذمة من اليهود والنصارى ومن التجأ إليهم , وإلى دار الوزير ابن العلقمي الرافضي , وطائفة من التجار أخذوا أمانا بذلوا عليه أموالا جزيلة حتى سلموا وسلمت أموالهم . وعادت بغداد بعد ما كانت آنس المدن كلها كأنها خراب , ليس فيها إلا القليل من الناس , بوقوعه:وهم في خوف وجوع وذلة وقلة . ."

"وقد اختلف الناس في كمية من قتل ببغداد من المسلمين في هذه الوقعة . فقيل ثمانمائة ألف . وقيل:ألف ألف . وقيل:بلغت القتلى ألفي ألف نفس - فإنا لله وإنا إليه راجعون , ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . - وكان دخولهم إلى بغداد في أواخر المحرم . وما زال السيف يقتل أهلها أربعين يوما . . وكان قتل الخليفة المستعصم بالله أمير المؤمنين يوم الأربعاء رابع عشر صفر , وعفى قبره , وكان عمره يومئذ ستا وأربعين سنة وأربعة أشهر . ومدة خلافته خمس عشرة سنة وثمانية أشهر وأيام . وقتل معه ولده الأكبر أبو العباس أحمد , وله خمس وعشرون سنة . ثم قتل ولده الأوسط أبو الفضل عبدالرحمان وله ثلاث وعشرون سنة , وأسر ولده الأصغر مبارك وأسرت أخواته الثلاث فاطمة وخديجة ومريم . ."

"وقتل أستاذ دار الخلافة الشيخ محيي الدين يوسف ابن الشيخ أبي الفرج ابن الجوزي , وكان عدو الوزير ;وقتل أولاده الثلاثة:عبدالله وعبدالرحمن وعبدالكريم , وأكابر الدولة واحدا بعد واحد . منهم الدويدار الصغير مجاهد الدين أيبك , وشهاب الدين سليمان شاه , وجماعة من أمراء السنة وأكابر البلد . . وكان الرجل يستدعى به من دار الخلافة من بني العباس , فيخرج بأولاده ونسائه , فيذهب إلى مقبرة الخلال , تجاه المنظرة , فيذبح كما تذبح الشاة , ويؤسر من يختارون من بناته وجواريه . . وقتل شيخ الشيوخ مؤدب الخليفة صدر الدين علي ابن النيار . وقتل الخطباء والأئمة وحملة القرآن . وتعطلت المساجد والجماعات والجمعات مدة شهور ببغداد . ."

"ولما انقضى الأمر المقدر , وانقضت الأربعون يوما , بقيت بغداد خاوية على عروشها , ليس بها أحد إلا الشاذ من الناس , والقتلى في الطرقات كأنها التلول , وقد سقط عليهم المطر , فتغيرت صورهم , وأنتنت من جيفهم البلد , وتغير الهواء , فحصل بسببه الوباء الشديد حتى تعدى وسرى في الهواء إلى بلاد الشام , فمات خلق كثير من تغير الجو وفساد الريح , فاجتمع على الناس الغلاء والوباء والفناء والطعن والطاعون . فإنا لله وإنا إليه راجعون . ."

"ولما نودي ببغداد بالأمان , خرج من تحت الأرض من كان بالمطامير والقنى والمقابر كأنهم الموتى إذا نبشوا من قبورهم ; وقد أنكر بعضهم بعضا , فلا يعرف الوالد ولده , ولا الأخ أخاه , وأخذهم الوباء الشديد . فتفانوا وتلاحقوا بمن سبقهم من القتلى . ."الخ الخ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت