وأهل الكتاب لم يعبدوا الأحبار والرهبان ; ولكن اتبعوا شرعهم وتركوا شريعة الله . فسماهم الله عبادا لهم ; وسماهم مشركين . . وهذه اللفتة هنا ملحوظ فيها ذلك المعنى الدقيق . فهم عبدوا الطاغوت . . أي السلطات الطاغية المتجاوزة لحقها . . وهم لم يعبدوها بمعنى السجود لها والركوع , ولكنهم عبدوها بمعنى الاتباع والطاعة . وهي عبادة تخرج صاحبها من عبادة الله ومن دين الله .
والله - سبحانه - يوجه رسوله صلى الله عليه وسلم لمجابهة أهل الكتاب بهذا التاريخ , وبذلك الجزاء الذي استحقوه من الله على هذا التاريخ . . كأنما هم جيل واحد بما أنهم جبلة واحدة . . يوجهه ليقول لهم:إن هذا شر عاقبة:.
(قل:هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله) . .
أي شر من نقمة أهل الكتاب على المسلمين , وما يكيدون لهم وما يؤذونهم بسبب إيمانهم . وأين نقمة البشر الضعاف من نقمة الله وعذابه , وحكمه على أهل الكتاب بالشر والضلال عن سواء السبيل: (أولئك شر مكانا , وأضل عن سواء السبيل) . . (الظلال)
وفي الوسيط - (ج 1 / ص 1305)
قال الآلوسي: أخرج ابن إسحاق وجماعة عن ابن عباس قال: كان رفاعة بن زيد بن التابوت ، وسويد بن الحارث قد أظهرا الإِسلام ونافقا ، وكان رجال من المسلمين يوادونهما . فأنزل الله - تعالى -: { ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ } . . . الآية .
والدين: هو ما عليه المرء من عقائد وأعمال ناشئة عن العقيدة . فهو عنوان عقل المتدين ، ورائد آماله ، وباعث أعماله . والذي يتخذ دين امرئ هزوا ولعبا ، فقد اتخذ ذلك المتدين بهذا الدين هزوا ولعبا .
وقوله: { هزوا } أي سخرية يقال: فلان هزئ من فلان إذا سخر منه ، واستخف به . وأصله هزءًا ، فأبدلت الهمزة واوا لضم ما قبلها .
وقوله: { لعبا } أي ملهاة وعبثا . وأصله من لعاب الطفل . يقال عن الطفل لعب - بفتح العين - إذا سال لعابه .
والمعنى: يأيها الذين اتصفوا بالإِيمان { لاَ تَتَّخِذُواْ الذين اتخذوا دِينَكُمْ } الذي هو سر سعادتكم وعزتكم { هُزُوًا وَلَعِبًا } أي: اتخذوه مادة لسخريتهم وتهكمهم ، وموضعا لعبثهم ولهوهم .
و { من } في قوله: { مِّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ والكفار أَوْلِيَآءَ } بيانية .
أي: مبينة لأولئك الذين يستهزئون بدين الله ويجعلونه موضع عبثهم .
والمراد بالذين أوتوا الكتاب: اليهود والنصارى .
وسموا بذلك؛ لأن أصل شرعهم ينتمي إلى كتاب منزل هو التوراة والإِنجيل .
وفي وصفهم بذلك هنا ، توبيخ لهم ، حيث إنهم استهزؤوا بالدين الحق ، مع أن كتابهم ينهاهم عن ذلك .
والمراد بالكفار هنا المشركون الذين لا كتاب لهم .
وقرأ الجمهور { والكفار } بالنصب عطفا على { الذين اتخذوا دِينَكُمْ } المبين بقوله: { مِّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب } .
وقرأ أبو عمرو والكسائي ( الكفار ) بالجر عطفا على { مِّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب } .
وقرأ: { أَوْلِيَآءَ } أي: نصراء وأصفاء . وهو المفعول الثاني لقوله { لاَ تَتَّخِذُواْ } والآية الكريمة تنهى المؤمنين عن ولاية كل عدو لله - تعالى - ولهم سواء أكان هذا العدو من أهل الكتاب أم من المشركين؛ لأن الجميع يشتركون في الاستهزاء بتعاليم الإِسلام ، وفي العبث بشعائره .
وقوله: { واتقوا الله إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } تذييل قصد به استنهاض همتهم لامتثال أمر الله - تعالى - وإلهاب نفوسهم حتى يتركوا موالاة أعدائهم بسرعة ونشاط .
أي: واتقوا الله في سائر ما أمركم به وما نهاكم عنه ، فلا تضعوا موالاتكم في غير موضعها ، ولا تخالفوا لله أمرًا . إن كنتم مؤمنين حقا ، ممتثلين صدقا ، فإن وصفكم بالإِيمان يحتم عليكم الطاعة التامة لله رب العالمين .
ثم ذكر - سبحانه - بعض مظاهر استهزاء أولئك الضالين بالدين وشعائره ، فقال - تعالى -: { وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصلاة اتخذوها هُزُوًا وَلَعِبًا } .
والمراد بالنداء للصلاة: الإِعلام بها عن طريق الأذن .
قال القرطبي: كان إذا أذن وقام المسلمون إلى الصلاة قالت اليهود: قاموا لا قاموا ، وكانوا يضحكون إذا ركع المسلمون وسجدوا .
وقالوا في حق الأذان: لقد ابتدعت شيئا لم نسمع به فيما مضى من الأمم . فمن أين لك صياح مثل صياح العير؟ فما أقبحه من صوت ، وما أسمحه من أمر .
وروى ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: { وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصلاة اتخذوها هُزُوًا وَلَعِبًا } قال: كان رجل من النصارى بالمدينة ، إذا سمع المنادي ينادي: أشهد أن محمدا رسول الله . قال: حرف الكاذب . فدخل خادمه ليلا من الليالي بنار ، وهو نائم وأهله نيام ، فسقطت شرارة فأحرقت البيت . فاحترق هو وأهله .
وقيل: كان المنافقون يتضاحكون عند القيام إلى الصلاة تنفيرا للناس منها .
أي: وإذا ناديتم - أيها المؤمنون - بعضكم بعضا إلى الصلاة عن طريق الأذان ، اتخذ هؤلاء الضالون الصلاة والمناداة بها موضعا لسخريتهم وعبثهم وتهكمهم .