وفي النهاية تحقق هدف الضريبة المالية في هذا الجو الراضي الخير الطيب . . جو الزكاة والطهارة والنماء . .
وأداء الزكاة سمة من سمات الذين آمنوا تقرر أنهم يتبعون شريعة الله في شئون الحياة ; فهي إقرار منهم بسلطان الله في أمرهم كله . . وهذا هو الإسلام . .
(وهم راكعون) . .
ذلك شأنهم , كأنه الحالة الأصلية لهم . .
ومن ثم لم يقف عند قوله: (يقيمون الصلاة) . . فهذه السمة الجديدة أعم وأشمل . إذ أنها ترسمهم للخاطر كأن هذا هو شأنهم الدائم . فأبرز سمة لهم هي هذه السمة , وبها يعرفون . .
وما أعمق إيحاءات التعبيرات القرآنية في مثل هذه المناسبات !
والله يعد الذين آمنوا - في مقابل الثقة به , والالتجاء إليه , والولاء له وحده - ولرسوله وللمؤمنين بالتبعية . .
ومقابل المفاصلة الكاملة بينهم وبين جميع الصفوف إلا الصف الذي يتمحض لله . . يعدهم النصر والغلبة:
(ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون) . .
وقد جاء هذا الوعد بالغلب بعد بيان قاعدة الإيمان في ذاتها . .
وأنها هي الولاء لله ورسوله وللمؤمنين ; وبعد التحذير من الولاء لليهود والنصارى واعتباره خروجا من الصف المسلم إلى صف اليهود والنصارى , وارتدادا عن الدين . .
وهنا لفتة قرآنية مطردة . .
فالله - سبحانه - يريد من المسلم أن يسلم لمجرد أن الإسلام خير ! لا لأنه سيغلب , أو سيمكن له في الأرض ; فهذه ثمرات تأتي في حينها ; وتأتي لتحقيق قدر الله في التمكين لهذا الدين ; لا لتكون هي بذاتها الإغراء على الدخول في هذا الدين . . والغلب للمسلمين لا شيء منه لهم . لا شيء لذواتهم وأشخاصهم . وإنما هو قدر الله يجريه على أيديهم , ويرزقهم إياه لحساب عقيدتهم لا لحسابهم !
فيكون لهم ثواب الجهد فيه ; وثواب النتائج التي تترتب عليه من التمكين لدين الله في الأرض , وصلاح الأرض بهذا التمكين . .
كذلك قد يعد الله المسلمين الغلب لتثبيت قلوبهم ; وإطلاقها من عوائق الواقع الحاضر أمامهم - وهي عوائق ساحقة في أحيان كثيرة - فإذا استيقنوا العاقبة قويت قلوبهم على اجتياز المحنة ; وتخطي العقبة , والطمع في أن يتحقق على أيديهم وعد الله للأمة المسلمة , فيكون لهم ثواب الجهاد , وثواب التمكين لدين الله , وثواب النتائج المترتبة على هذا التمكين .
كذلك يشي ورود هذا النص في هذا المجال , بحالة الجماعة المسلمة يومذاك , وحاجتها إلى هذه البشريات . بذكر هذه القاعدة من غلبة حزب الله . .
مما يرجح ما ذهبنا إليه من تاريخ نزول هذا القطاع من السورة .
ثم تخلص لنا هذه القاعدة ; التي لا تتعلق بزمان ولا مكان . .
فنطمئن إليها بوصفها سنة من سنن الله التي لا تتخلف . وإن خسرت العصبة المؤمنة بعض المعارك والمواقف . فالسنة التي لا تنقض هي أن حزب الله هم الغالبون . .
ووعد الله القاطع أصدق من ظواهر الأمور في بعض مراحل الطريق !
وأن الولاء لله ورسوله والذين آمنوا هو الطريق المؤدي لتحقق وعد الله في نهاية الطريق ! (الظلال)
وفي الوسيط - (ج 1 / ص 1300)
قوله - تعالى - { مَن يَرْتَدَّ } من الارتداد . ومعناه: الرجوع إلى الخلف ونمه قوله - تعالى - { رُدُّوهَا عَلَيَّ } أي: ارجعوها على . وقوله: { إِنَّ الذين ارتدوا على أَدْبَارِهِمْ } والمراد بالارتداد هنا: الرجوع عن دين الإِسلام إلى الكفر والضلال ، والخروج من الحق الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غيره من الأباطيل والأكاذيب .
قالوا: وفي هذه الآية الكريمة إشارة إلى أن من الذين دخلوا في الإِسلام من سيرتد عنه إلى غيره من الكفر والضلال ، وقد كان الأمر كما أشارت الآية الكريمة؛ فقد ارتد عن الإِسلام بعض القبائل كقبيلة بني حنيفة - قوم مسيلمة الكذاب - وقبيلة بني أسد ، وقبيلة بني مدلج وغيرهم .
وقد تصدى سيدنا أبو بكر الصديق ومن معه من المؤمنين الصادقين للمرتدين فكسروا شوكة الردة ، وأعادوا لكلمة الإِسلام هيبتها وقوتها .
قال الآلوسي ما ملخصه: هذه الآية من الكائنات التي أخبر عنها القرآن قبل وقوعها - وقد وقع المخبر به على وفقها فيكون معجزًا - فقد روى أنه ارتد عن الإِسلام إحدى عشرة فرقة .
ثلاث في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وهم:"بنو مدلج ، ورئيسهم الأسود العنسي و"بنو حنيفة"قوم مسيلمة الكذاب و"بنو أسد"قوم طليحة بن خويلد الأسدي . وسبع في عهد أبي بكر وهم: فزارة ، وغطفان ، وبنو سليم ، وبنو يربوع ، وبعض بني تميم ، وكنده ، وبنو بكر بن وائل ."
وارتدت فرقة واحدة في عهد عمر وهي قبيلة"غسان قوم جبلة بن الأيهم".