ويجيء هذا التقرير ردا على مقالتهم: (آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون) تحذيرا للمسلمين من تحقيق الهدف اللئيم . فهو الخروج من هدى الله كله . فلا هدى إلا هداه وحده . وإنما هو الضلال والكفر ما يريده بهم هؤلاء الماكرون .
يجيء هذا التقرير قبل أن ينتهي السياق من عرض مقولة أهل الكتاب كلها . . ثم يمضي يعرض بقية تآمرهم بعد هذا التقرير المعترض:
(أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم , أو يحاجوكم عند ربكم) . .
بهذا يعللون قولهم: (ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم) . . فهو الحقد والحسد والنقمة أن يؤتي الله أحدا من النبوة والكتاب ما آتى أهل الكتاب . وهو الخوف أن يكون في الاطمئنان للمسلمين وإطلاعهم على الحقيقة التي يعرفها أهل الكتاب , ثم ينكرونها , عن هذا الدين , ما يتخذه المسلمون حجة عليهم عند الله ! - كأن الله سبحانه لا يأخذهم بحجة إلا حجة القول المسموع ! - وهي مشاعر لا تصدر عن تصور إيماني بالله وصفاته ; ولا عن معرفة بحقيقة الرسالات والنبوات , وتكاليف الإيمان والاعتقاد !
ويوجه الله سبحانه رسوله الكريم ليعلمهم - ويعلم الجماعة المسلمة - حقيقة فضل الله حين يشاء أن يمن على أمة برسالة وبرسول:
(قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء , والله واسع عليم . يختص برحمته من يشاء , والله ذو الفضل العظيم) . .
وقد شاءت إرادته أن يجعل الرسالة والكتاب في غير أهل الكتاب ; بعد ما خاسوا بعهدهم مع الله ; ونقضوا ذمة أبيهم إبراهيم ; وعرفوا الحق ولبسوه بالباطل ; وتخلوا عن الأمانة التي ناطها الله بهم ; وتركوا أحكام كتابهم وشريعة دينهم ; وكرهوا أن يتحاكموا إلى كتاب الله بينهم . وخلت قيادة البشرية من منهج الله وكتابه ورجاله المؤمنين . .
عندئذ سلم القيادة , وناط الأمانة , بالأمة المسلمة . فضلا منه ومنة . (والله واسع عليم) . .
(يختص برحمته من يشاء) . . عن سعة في فضله وعلم بمواضع رحمته . . (والله ذو الفضل العظيم) . .
وليس أعظم من فضله على أمة بالهدى ممثلا في كتاب . وبالخير ممثلا في رسالة . . وبالرحمة ممثلة في رسول .
فإذا سمع المسلمون هذا احسوا مدى النعمة وقيمة المنة في اختيار الله لهم , واختصاصه إياهم بهذا الفضل . واستمسكوا به في إعزاز وحرص , وأخذوه بقوة وعزم , ودافعوا عنه في صرامة ويقين , وتيقظوا لكيدالكائدين وحقد الحاقدين . وهذا ما كان يربيهم به القرآن الكريم والذكر الحكيم . وهو ذاته مادة التربية والتوجيه للأمة المسلمة في كل جيل . (الظلال)
وفي الوسيط - (ج 1 / ص 638)
ثم حكى - سبحانه - أن بعض أهل الكتاب لا يكتفون بما هم فيه من ضلال ، بل يحاولون أن يضلوا غيرهم فقال - تعالى - { وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الكتاب لَوْ يُضِلُّونَكُمْ } .
وقوله - تعالى - { وَدَّت } من الود وهو محبة الشىء وتمنى حصوله ووقوعه .
أى تمنت وأحبت جماعة من أهل الكتاب إضلالكم وإهلاككم عن الحق - أيها المؤمنون - وذلك بأن ترجعوا عن دين الإسلام الذى هداكم الله إليه ، إلى دين الكفر الذى يعتنقه أولئك الكافرون من أهل الكتاب .
ولم يقف بغى بعض أهل الكتاب وحسدهم عند هذا التمنى ، بل تجاوزوه إلى إلقاء الشبهات حول دين الإسلام ، وإلى محاولة صرف بعض المسلمين عن دينهم .
قال القرطبى: نزلت هذه الآية - في معاذ بن جبل ، وحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر ، حين دعاهم اليهود من بنى النضير وقريظة وبنى قينقاع إلى اليهودية .
والمراد بالطائفة رؤساء أهل الكتاب وأحبارهم ومن للتبعيض وهى مع مجرورها في محل رفع نعت لطائفة .
و { لَوْ } فى قوله { لَوْ يُضِلُّونَكُمْ } مصدرية أى ودت طائفة من أهل الكتاب إضلالكم . وقوله { وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ } جملة حالية .
أى: والحال أنهم ما يضلون أى ما يهلكون إلا أنفسهم بسبب غوايتهم واستيلاء الأهواء على قلوبهم ، وإبثارهم العمى على الهدى ولكنهم لا يشعرون بذلك ولا يفطنون له ، لأنهم قد زين لهم الشيطان سوء عملهم فرأوة حسنا .
وأما النداء الثالث الذى اشتملت عليه هذه الآيات فهو قوله: { ياأهل الكتاب لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ الله وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ } .
أى: لماذا تكفرون بآيات الله - تعالى - التى يتلوها عليكم نبيه محمد صلى الله عليه وسلم والحال أنكم تعلمون صدقها وصحتها علما يقينا كعلم المشاهدة والعيان ، وتعرفون أنه نبى حقا كما تعرفون أبناءكم .
والاستفهام في قوله { لِمَ تَكْفُرُونَ } لتوبيخهم والتعجيب من شأنهم ، وإنكار ما هم عليه من كفر بأيات الله مع علمهم بصدقها .
وفى هذا النداء إشارة إلى أن ما أعطوه من علم كان يقتضى منهم أن يسارعوا إلى الإيمان لا أن يكفروا بآيات الله الدالة على صدق نبيه صلى الله عليه وسلم والتى تتناول القرآن الكريم ، والحجج والمعجزات التى جاءهم بها صلى الله عليه وسلم .