أما محاولة إيجاد مبررات دفاعية للجهاد الإسلامي بالمعنى الضيق للمفهوم العصري للحرب الدفاعية ; ومحاولة البحث عن أسانيد لإثبات أن وقائع الجهاد الإسلامي كانت لمجرد صد العدوان من القوى المجاورة على"الوطن الإسلامي !"_وهو في عرف بعضهم جزيرة العرب - فهي محاولة تنم عن قلة إدراك لطبيعة هذا الدين , ولطبيعة الدور الذي جاء ليقوم به في الأرض . كما أنها تشي بالهزيمة أمام ضغط الواقع الحاضر ; وأمام الهجوم الاستشراقي الماكر على الجهاد الإسلامي !
ترى لو كان أبو بكر وعمر وعثمان - رضي الله عنهم - قد أمنوا عدوان الروم والفرس على الجزيرة أكانوا يقعدون إذن عن دفع المد الإسلامي إلى أطراف الأرض ? وكيف كانوا يدفعون هذا المد , وأمام الدعوة تلك العقبات المادية - من أنظمة الدولة السياسية ; وأنظمة المجتمع العنصرية والطبقية , والاقتصادية الناشئة من الاعتبارات العنصرية والطبقية , والتي تحميها القوة المادية للدولة كذلك ?!
إنها سذاجة أن يتصور الإنسان دعوة تعلن تحرير"الإنسان". . نوع الإنسان . . في"الأرض". . كل الأرض . . ثم تقف أمام هذه العقبات تجاهدها باللسان والبيان ! . . إنها تجاهد باللسان والبيان حينما يخلى بينها وبين الأفراد , تخاطبهم بحرية , وهم مطلقو السراح من جميع تلك المؤثرات . . فهنا (لا إكراه في الدين) . . أما حين توجد تلك العقبات والمؤثرات المادية , فلا بد من إزالتها أولًا بالقوة , للتمكن من مخاطبة قلب الإنسان وعقله ; وهو طليق من هذه الأغلال !
إن الجهاد ضرورة للدعوة . إذا كانت أهدافها هي إعلان تحرير الإنسان إعلانًا جادًا يواجه الواقع الفعلي بوسائل مكافئة له في كل جوانبه ; ولا يكتفي بالبيان الفلسفي النظري السلبي ! سواء كان الوطن الإسلامي - وبالتعبير الإسلامي الصحيح:دار الإسلام - آمنا أم مهددًا من جيرانه . فالإسلام حين يسعى إلى السلم , لا يقصد تلك السلم الرخيصة ; وهي مجرد أن يأمن على الرقعة الخاصة التي يعتنق أهلها العقيدة الإسلامية . إنما هو يريد السلم التي يكون الدين فيها كله لله . أي تكون عبودية الناس كلهم فيها لله ; والتي لا يتخذ فيها الناس بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله . والعبرة بنهاية المراحل التي وصلت إليها الحركة الجهادية في الإسلام - بأمر من الله - لا بأوائل أيام الدعوة ولا بأوسطها . . ولقد انتهت هذه المراحل كما يقول الإمام ابن القيم:"فاستقر أمر الكفار معه - بعد نزول براءة - على ثلاثة أقسام:محاربين له , وأهل عهد , وأهل ذمة . . ثم آلت حال أهل العهد والصلح إلى الإسلام . . فصاروا معه قسمين:محاربين , وأهل ذمة . والمحاربون له خائفون منه . . فصار أهل الأرض معه ثلاثة أقسام:مسلم مؤمن به . ومسالم له آمن [ وهم أهل الذمة كما يفهم من الجملة السابقة ] وخائف محارب". . وهذه هي المواقف المنطقية مع طبيعة هذا الدين وأهدافه . لا كما يفهم المهزومون أمام الواقع الحاضر , وأمام هجوم المستشرقين الماكر !
ولقد كف الله المسلمين عن القتال في مكة ; وفي أول العهد بالهجرة إلى المدينة . . وقيل للمسلمين: (كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) . . ثم أذن لهم فيه , فقيل لهم: (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا , وإن الله على نصرهم لقدير , الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق - إلا أن يقولوا:ربنا الله . ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا , ولينصرن الله من ينصره , إن الله لقوي عزيز . الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر , ولله عاقبة الأمور) . . ثم فرض عليهم القتال بعد ذلك لمن قاتلهم دون من لم يقاتلهم فقيل لهم: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم) . . ثم فرض عليهم قتال المشركين كافة فقيل لهم: (وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة) . . وقيل لهم: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر , ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله , ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب , حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) . . فكان القتال - كما يقول الإمام ابن القيم -"محرمًا , ثم مأذونًا به , ثم مأمورًا به لمن بدأهم بالقتال , ثم مأمورًا به لجميع المشركين". .
إن جدية النصوص القرآنية الواردة في الجهاد ; وجدية الأحاديث النبوية التي تحض عليه ; وجدية الوقائع الجهادية في صدر الإسلام , وعلى مدى طويل من تاريخه . . إن هذه الجدية الواضحة تمنع أن يجول في النفس ذلك التفسير الذي يحاوله المهزومون أمام ضغط الواقع الحاضر وأمام الهجوم الاستشراقي الماكر على الجهاد الإسلامي !
ومن ذا الذي يسمع قول الله سبحانه في هذا الشأن وقول رسوله صلى الله عليه وسلم ويتابع وقائع الجهاد الإسلامي ; ثم يظنه شأنًا عارضًا مقيدًا بملابسات تذهب وتجيء ; ويقف عند حدود الدفاع لتأمين الحدود ?!