أ- ما رواه الإمام أحمد (1) عن ابن عباس قال:"أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من آخر الليل فصليت خلفه، فأخذ بيدي فجرني فجعلني حذاءه، فلما أقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على صلاته خنست، فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلما انصرف قال لي: ما شأني أجعلك حذائي فتخنس؟ فقلت: يا رسول الله، أو ينبغي لأحد أن يصلي حذاءك وأنت رسول الله، الذي أعطاك الله!! قال:"فأعجبته فدعا الله أن يزيدني علمًا وفهمًا"."
من خلال هذا الحوار لمس النبي - صلى الله عليه وسلم - الاستعدادات والقدرات العقلية لابن عباس، وذلك أن ابن عباس برر شعوره باستصغار الذات في حضرة النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قال (خنست) ، أنه كيف لغلام مثلي يقف بمحاذاة من اصطفاه الله لرسالته. وعادة أن استصغار الذات لمن هو في سنة قد يكون خوفًا أو استوحاشًا وخاصة أنه في آخر الليل، فلما تبين أنه إنما فعل ذلك من فقهه واحترامه لمقام النبوة أعجب النبي - صلى الله عليه وسلم - بحسن إجابته، ودعا له بزيادة فقهه وعلمه، وكأن ذلك منه علمًا وفقهًا.
إن الموهبة في هذا الموقف إدراك طفل بمثل سنه لمقام النبوة لدرجة أنه استصغر نفسه أن يقف بجوار صاحب هذا المقام، إلا أن رحمة النبوة استوعبت ذلك الموقف فكان التعزيز النبوي بوسيلة الدعاء بزيادة الفهم والعلم.
ب) روى الإمام البخاري (2) عن ابن عباس:"أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل الخلاء، فوضعت له وضوءًا قال:"من وضع هذا؟"فأُخبر، فقال:"اللهم فَقّهُه في الدين"."
(1) ابن حنبل، أحمد بن حنبل (ت 241ه) ، المسند، تحقيق: حسان عبد المنان، عمان، بيت الأفكار الدولية، 1998م، ص272، حديث رقم (3061) ، وإسناد صحيح.
(2) رواه البخاري، الوضوء، باب وضع الماء عند الخلاء، رقم (143) .