إن المنهج النبوي في التربية والتعليم نجح نجاحًا باهرًا ليس له مثيل في التاريخ الإنساني لا قبله ولا بعده، فقد استطاع النبي- صلى الله عليه وسلم - أن ينشئ جيلًا راقيًا من الصحابة- رضي الله عنهم - يتمتعون بشخصية إسلامية متميزة لم يستطع المفكرون والمصلحون وعلماء الاجتماع والفلاسفة في شتى بقاع الأرض قديمًا وحديثًا أن يصلوا بمجتمعاتهم إلى معشار ما بلغ النبي- صلى الله عليه وسلم - بالمجتمع الإسلامي، ولم يخطر ببالهم أو حتى في خيالهم أن يصلوا إلى ما وصل إليه، وفي هذا دليل واضح على أن التربية الإسلامية قادرة على أن تسمو بالمجتمع إلى أرقى مستوى يمكن أن يصل إليه بشر.
ولعل السر في ذلك أن النبي- صلى الله عليه وسلم - حرص على تربية أصحابه تربية قرآنية، وأقام الدولة على هذا الأساس المتين، فقد ربط بين الدين والحياة برباط وثيق، كما ربط العلم بالدين حتى صار الدين هو الموجه والمرشد للعلم، فقد حث الإسلام على طلب العلم وجعل ذلك واجبا دينيا بشرط أن يكون هذا العلم نافعًا وقابلًا للتطبيق وفق ضوابط معينة في كل مرحلة من مراحل اكتسابه، ولم يكتف بهذا بل حث على نشر العلم وعدم كتمانه، وعدّ كتمان العلم مخالفة دينية يستحق صاحبها العقوبة الإلهية.
وهذه التربية الإيمانية جعلت الصحابة ينقادون انقيادًا تامًا للأوامر الدينية بدافع من عقيدتهم، دون حاجة للرقابة، ودون خوف من العقاب الدنيوي حتى أن المذنب كان يبادر بطلب إنزال العقوبة بحقه حتى يطهر نفسه من الخطيئة.
والأمثلة كثيرة يصعب الإحاطة بها في مثل هذا البحث المتواضع لكنني سأشير إلى بعض هذه الجوانب طلبًا للاختصار.
المطلب الأول: التضحية بالنفس في سبيل الله: