فهل يعني هذا أن مدمن الخمر مشرك [1] ؟، الجواب: لا.
(1) - قال أبو الفضل عمر الحدوشي المغربي-عفا الله عنه-: (قال العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي في:(رفع الاشتباه عن معنى العبادة والإله، وتحقيق معنى التوحيد والشرط بالله) (2/ 1/195) : ومدمن الخمر لو قَوِيَ إيمانه لصح عزمُه على تركها، وإذًا لهان عليه تركها، وقد كان الصحابة-رضي الله تعالى عنهم-يعتادون شربها، فلما حُرِّمت أعرضوا عنها ألبتة، وهكذا عامة من أسلم بعد تحريمها.
وإنما يشقُّ تركها على من لم يصح عزمه فتبقى نفسه تنازعه إليها، وعن ذلك يكون تضرره في بدنه إن صدق الأطباء، فأما من صح عزمه فبإذن الله تعالى لا يناله إلا كل خير).
ومن الناس مَنْ يُلْزم صاحب المعصية بما لا يَلزم، فَيُلزم حالق اللحية، ومسبل الإزار، وشارب الخمر مثلًا وغيرهم ببغض ما جاء به الرسول-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-من الأمر بإعفاء اللحية وعدم الإسبال والنهي عن شرب الخمر، فيقول لهم: لولا أنكم تبغضون ما جاء به محمد-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-لما فعلتم هذه المنكرات! فهذا إلزام باطل؛ فهناك من الصحابة من حصلت منه بعض المخالفات-كشرب الخمر مثلًا، ولم يلزمه أحد بذلك الإلزام، بل: لما أُتي بشارب الخمر إلى النبي-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-، ولعنه بعض الصحابة وقال: ما أكثر ما يؤتى به -إلى رسول الله وهو سكران-فقال النبي-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-: لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله).
فمنها: شرب الخمر كقصة عبد الله الملقب بحمار-أخرجها البخاري-ومنها: الزنا،-كقصة ماعز الأسلمي، والغامدية-وقصتهما في: (الصحيحين) - والتجسس، كقصة حاطب-سوف تجد الكلام عليها هنا في هذا الكتاب-والسرقة، كقصة المخزومية-وهي في: (الصحيح) وغيرها.
وهذا الحكم العام لا يستلزم حكمًا خاصًا، و (لا يجوز حمله على الصحابي لوجود حسنة عنده ترجح على تلك السيئة، وهي حسنة حبه لله ولرسوله، فإن الحسنات يذهبن السيئات-(قواعد في التكفير) (ص:54) ... ).
وقد أشرت إلى هذا بقولي:
27 -وَلاَ تُرَى الْحَسَنَاتُ الْبِيضُ مُذْهِبَةً * كُفْرَ الْمُعَيَّنِ بِالتَّاوِيلِ لَمْ يَقُم
وقولي: (الْحَسَنَاتُ الْبِيضُ) ، أي: الحسنات العظيمة، كشهود بدر.
وحديث عبد الله الملقب بحمار: رواه البخاري في (صحيحه) (12/رقم:6780 - الفتح) من طريق سعيد بن أبي هلال، عن زيد بن أسلم عن أبيه، عن عمر بن الخطاب به.
وفي رواية لأبي داود وغيره: (لا تقولوا هكذا، لا تعينوا عليه الشيطان) ، وفي أخرى: (ولكن قولوا: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه) (صحيح سنن أبي داود) (رقم:3758) .
فتأملوا كيف أن النبي-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-نهى عن الدعاء عليه، وأمر بالدعاء له، علمًا أن الحكم العام في شارب الخمر الدعاء عليه باللعن والطرد من رحمة الله، لقوله-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-: (أتاني جبريل، فقال: يا محمد إن الله عز وجل لعن الخمر، وعاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وبائعها، ومبتاعها، وساقيها، ومُسقيها) (إسناده جيد، توسع في تخريجه الشيخ شعيب الأرناؤوط في هامش:(صحيح ابن حبان) (12/ 179/180/رقم:5356/ 41 - كتاب الأشربة، 2 - فصل في الأشربة، ذكر استحقاق لعن الله جل وعلا من أعان في الخمر لتشرب) بترتيب ابن بلبان).
فالتكفير العام-وكذا اللعن العام-الوارد في النصوص الشرعية، لا يصح حمله دائمًا على الأشخاص بأعيانهم ممن قد وقع في ذلك الكفر، لاحتمال وجود موانع التكفير فيهم وانتفاء لوازمه. وقد قال ابن تيمية: (الكفر العام لا يستلزم دائمًا الكفر المعين) .
انظر: (قواعد في التكفير) (ص:54) ، وكتاب: (الإيمان) لأبي عبيد القاسم بن سلام (ص:84/إلى:102) تخت عنوان: (باب: الخروج من الإيمان بالمعاصي) .
وقد أشرت إلى هذا بقولي:
لاَ يُوجِبُ الْكُفْرُ فِي التَّعْمِيمِ لُذْ بِحِجَى* كُفْرَ الْمُعَيَّنِ فِي التَّخْصِيصِ فَالْتَزِمِ