-والدرجة الثانية من التجهم: هو تجهم المعتزلة ونحوهم الذين يقرون بأسماء الله الحسنى في الجملة لكن ينفون صفاته، وهم أيضا لا يقرون بأسماء الله الحسنى [1] على الحقيقة، بل يجعلون كثيرا منها على المجاز، وهؤلاء هم الجهمية المشهورون.
-وأما الدرجة الثالثة: فهم الصفاتية المثبتون المخالفون للجهمية، لكن فيهم نوع من التجهم، كالذين يقرون بأسماء الله وصفاته في الجملة لكن يردون طائفة من أسمائه وصفاته الخبرية، أو غير الخبرية، ويتأولونها كما تأول الأولون صفاته كلها [2] ... وذلك كأبي محمد بن كلاب ومن اتبعه، وفي هذا القسم يدخل أبو الحسن الأشعري وطوائف من أهل الفقه والكلام والحديث والتصوف، وهؤلاء إلى أهل السنة أقرب منهم إلى الجهمية والرافضة والخوارج والقدرية، لكن انتسب إليهم طائفة هم إلى الجهمية أقرب منهم إلى أهل السنة المحضة، فإن هؤلاء ينازعون المعتزلة نزاعا عظيما فيما يثبتونه من الصفات، وأعظم من منازعتهم لسائر [3] أهل الإثبات فيما ينفون.
(1) - قال أبو الفضل عمر الحدوشي المغربي-عفا الله عنه-: (وقد أسقط المؤلف أبو محمود من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله تعالى-في:(التسعينية) (1/ 265) لفظة: (كلها) ، وإثباتها أمر ضروري ليكون المعنى أضبط وأشمل هكذا: (لا يقرون بأسماء الله الحسنى"كلها"على الحقيقة) .
(2) - قال أبو الفضل عمر الحدوشي المغربي-عفا الله عنه-: (وتمام كلام شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله تعالى-في:(التسعينية) (1/ 270) هكذا: (ومن هؤلاء من يقر بصفاته الخبرية الواردة في القرآن دون الحديث، كما عليه كثير من أهل الكلام، والفقه، وطائفة من أهل الحديث، ومنهم من يقر بالصفات الواردة في الأخبار-أيضًا-في الجملة، لكن مع نفي لبعض ما ثبت بالنصوص وبالمعقول، وذلك كأبي محمد بن كلاب ومن اتبعه) .
(3) - قال أبو الفضل عمر الحدوشي المغربي-عفا الله عنه-: (أي: لجميع أهل الإثبات، لأن سائر لها معنيان:
1 -المعنى الأول: سائر بمعنى: (جميع) كما هنا،
2 -المعنى الثاني: تأتي لفظة: (سائر) بمعنى: (باقي) ، يقال: سائر الناس لم يحضروا، أي: باقي الناس، ويعرف ذلك بالسياق، فتأملوا هذه الفائدة).