الاجتهاد في اللغة بذل الجهد يعني الطاقة في عمل شاق وإنما قيد العمل بكونه شاقا لأن الاجتهاد مختص به في عرف اللغة إذ يقال اجتهد الرجل في حمل الرحى ونحوها من الأشياء الثقيلة ولا يقال اجتهد في حمل خردلة ونحوها من الأشياء الخفيفة وهو الاصطلاح استفراغ الوسع في طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية على وجه يحس من النفس العجز عن المزيد عليه. وقسم العلماء الاجتهاد إلى قسمين ناقص وتام. فالناقص هو النظر المطلق في تعرف الحكم وتختلف مراتبه بحسب الأحوال. والتام هو استفراغ القوة النظرية حتى يحس الناظر من نفسه العجز عن مزيد طلب ومثاله مثال من ضاع منه درهم في التراب فقلبه برجله فلم يجد شيئا فتركه وراح وآخر إذا جرى له ذلك جاء بغربال فغربل التراب حتى يجد الدرهم أو يغلب على ظنه أنه ما عاد يلقاه. فالأول اجتهاد قاصر. والثاني تام وعلم من التعريف ومما سبق أول الكتاب أن استفراغ الجهد إنما هو للفقيه وهو المجتهد فلا عبرة باستفراغ جهد غير المجتهد. وقولنا في طلب ظن يشير إلى أنه لا اجتهاد في القطعيات. وقولنا بشيء من الأحكام الشرعية يخرج ما لو استفرغ جهده في طلب شيء من الحسيات والعقليات فإنه بمعزل عن مقصودنا والمجتهد من اتصف بصفة الاجتهاد وحصل أهليته وقد ذكر العلماء له شروطا وذلك أنه لما لم يكن لا بد أن يكون عاقلا بالغا قد ثبتت له ملكة يقتدر بها على استخراج الأحكام من مأخذها ولا يتمكن من ذلك إلا باتصافه بأمور لا جرم جعلوا تلك الأمور شروطا وهي أن الواجب عليه أن يعرف من الكتاب ما يتعلق بالأحكام وهو قدر خمسمائة آية قاله الغزالي وغيره. وليس هذا القول بسديد وليس هذا التقدير بمعتبر وأن مقدار أدلة الأحكام في ذلك غير منحصرة فإن أحكام الشرع كما تستنبط من الأوامر