العلم بالقواعد الذي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها التفصيلية وإن نظر إليه باعتبار كل واحد من مفرداته الأصول كان تعريفه: بأنه الأدلة لأن المادة التي تركب منها لفظ أصول الفقه هي الأصول والفقه فيها مفرد ذلك المركب فيحتاج في تعريفه التفصيلي إلى تعريف كل واحد منها على حدته. فالأصول الأدلة الآتي ذكرها يعني الكتاب والسنة والإجماع والقياس وما في خلال ذلك من القواعد. والأصول جمع أصل وأصل الشيء ما يستند تحقق ذلك الشيء إليه تأثيرا وإنما زدنا تأثيرا احترازا من استناد الممكن إلى المؤثر مع أنه ليس أصلا له ولا شك أن الفقه مستند في تحقق وجوده إلى الأدلة فهو كالغصن من الشجرة والفقه في اللغة الفهم واصطلاحا قيل العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية بالاستدلال وقيل ظن جملة من الأحكام الشرعية الفرعية باستنباطها من أدلة تفصيلية وعلى كل من التعريفين مؤاخذات ولكن القول الثاني أخف إشكالا.
فصل: في التكليف هو لغة إلزام ما فيه كلفة أي مشقة وشرعا إلزام مقتضى خطاب الشرع وعلى هذا تكون الإباحة تكليفا لأنها من مقتضيات الخطاب المذكور. ومن قال إن الإباحة ليست تكليفا يقول التكليف هو الخطاب بأمر أو نهي وله شروط يتعلق بعضها بالمكلف وبعضها بالمكلف به فأما الذي يتعلق بالمكلف فالعقل وفهم الخطاب فلا تكليف على صبي ولا مجنون لعدم المصحح للامتثال منهما وهو قصد الطاعة والمميز مثل الصبي في عدم التكليف فإن قيل كيف أوجبتم الزكاة والغرامات في مال الصبي والمجنون ونفيتم عنهما التكليف قلنا الوجوب ليس على نفسهما بل هو ربط الأحكام بالمسببات لوجود الضمان ببعض أفعال البهائم ولا تكليف على النائم والناسي والسكران الذي لا يعقل بعدم الفهم والحق أن المكره إذا بلغ به إلا كراه إلى حد الإلجاء سقط عنه التكليف والكفار مخاطبون بفروع الإسلام على أصح القولين. وأما ما يتعلق بالمكلف به فهو أن يكون المكلف به معلوم الحقيقة للمكلف وإلا لم يتوجه قصده إليه وأن يكون معلوما كونه مأمورا به وإلا لم يتصور منه قصد الطاعة والامتثال معدوم إذ إيجاد الموجود محال وينقطع التكليف حال حدوث الفعل وأن يكون المكلف به ممكنا لأن المكلف به يستدعي حصوله وذلك يستلزم تصور وقوعه والمحال لا يتصور وقوعه فلا يستدعي حصوله فلا تكليف به ولا تكليف إلا بفعل لأن متعلق