الصفحة 20 من 23

أولًا؛ زعمه أن فرض الجزية أثر من آثار الحرابة

لقد مر بنا أن المؤلف يزعم أنه لا قتال لأهل الكتاب ولا لغيرهم من الكفار، إلا إن حاربوا أو بدا منهم قصد العدوان، وقد بينا فساد ذلك الزعم من قبل، وهو هنا يضيف؛ أن الإسلام لا يفرض أحكام أهل الذمة - بما فيها الجزية - فرضًا، إلا بعد قتال استدعته حرابة وقعت من الكتابيين ومن في حكمهم، ولذلك فقد جعل عنوان حديثه عن الذمة وأحكامها؛ (ما بعد الحرابة) [204] .

بل هو يصرح بذلك في مواضع من كتابه، ومن ذلك أنه يبين في [ص: 145] ؛ أن للكتابيين ومن في حكمهم حالتين اثنتين، الأولى: أن يكون بينهم وبين المسلمين تعايش سلمي، والثانية: أن يكونوا في حالة حرب مع المسلمين.

ويقول عن هذه الحالة الثانية: (ولا شك أن من حق المسلمين عندئذ أن يتصدوا لهذه الحرابة ويبذلوا كل ما يمكنهم من جهد لإنهائها، وإذا كتبت الغلبة للمسلمين فإن إنهاء الحرابة رهن باللجوء إلى نظام عقد الذمة، أي إن فرض عقد الذمة على الكتابيين في هذه الحالة استدعته حالة الحرب القائمة بين الطرفين، وقد سبق أن أوضحنا أن الردع الذي نراه في قوله تعالى: {حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} إنما اقتضته الحرابة التي قد يواجه بها الكتابيون المسلمين في ظروف ولأسباب، وليس هو من مقتضيات كونهم كتابيين أو غير مسلمين) .

وأقول: ليست الجزية أثرًا من آثار الحرابة، إنما هي إحدى الغايتين اللتين إن تحققت إحداهما وجب الكف عن أهل الكتاب ومن في حكمهم.

وقد سبق أن أوضحنا أن آية سيف أهل الكتاب التي أمرت بقتالهم حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون؛ ليس فيها ذكر لكون ذلك القتال بسبب عدوانهم وحرابتهم.

وقد مر بنا حديث بريدة رضي الله عنه وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر أمير الجيش أو السرية بأن يدعو القوم إلى ثلاث خصال فذكر الإسلام ثم الجزية، ثم قال: (فإن هم أبوا؛ فاستعن بالله وقاتلهم) [205] .

وهذا يدل على أن فرض الجزية ليس أثرًا من آثار الحرابة، أي لا يصح أن يقال إنه لا تفرض إلا عقب حرابة وقعت من الكتابيين ثم قتال دار بيننا وبينهم انتهى بانتصارنا عليهم، بل إنه يمكن القول إن العكس في ذلك هو الصحيح؛ فحديث بريدة يبين لنا أن قضية الجزية والمطالبة بها سابقة لموضوع الحرب والقتال، وأنهم إن رضوا بدفعها فقد انتهى الأمر وأصبح لا مسوغ للقتال أصلًا، ومعنى ذلك؛ أن الحرب والقتال أثر من آثار عدم دفع الجزية، لا أن فرض الجزية أثر من آثار الحرب والقتال.

ثم إننا إذا افترضنا جدلًا صحة هذا المنطق الذي تكلم به المؤلف، من أن فرض عقد الذمة قد استدعته حالة الحرب القائمة بين الطرفين، فإنه كان ينبغي أن يقتصر فرض الجزية على القوم الذين باشروا الحرابة فعلًا، عقوبةً لهم وردعًا، أما أن تستمر أحكام أهل الذمة بما فيها الجزية على عقب أولئك القوم إلى آخر الزمان - كما هو المتقرر في أحكام الشريعة - فإن ذلك يدل على أن ثمة وصفًا آخر غير الحرابة قد تعلق بهم ومن أجله فرضت الجزية عليهم، ولا شك أن ذلك الوصف هو كفرهم، ولذلك فإنها تسقط عمن أسلم منهم.

قال الإمام ابن القيم: (الجزية: هي الخراج المضروب على رؤوس الكفار إذلالًا وصَغارًا) [206] .

[204] الجهاد في الإسلام ص: 118.

[205] سبق تخريجه.

[206] أحكام أهل الذمة (1/ 22) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت