ثالثًا؛ بطلان مبدأ"لهم ما لنا وعليهم ما علينا"!
في سياق تقرير الكاتب لما سبق من أن الصغار جزاء على الحرابة؛ يستدل بقاعدة غير صحيحة، حيث يقول في [ص: 132] : (ومن أبرز ما يدل على هذا بوضوح؛ أن هؤلاء الكتابين إذا أغمدوا أسلحة عدوانهم وأبرزوا صفحة التعاون الإنساني المخلص، انمحى الردع بكل مظاهره وذيوله، وحل محل ذلك قانون المعاملة بالمثل، وهيمن مبدأ"لهم ما لنا وعليهم ما علينا"، وقامت شرعة الاحترام المتبادل ... ) .
وأقول: أما قوله: (إنهم إذا أغمدوا أسلحة عدوانهم ... انمحى الردع بكل مظاهره ... إلخ) ، فقد بينا من قبل بطلان ذلك وأن قتال هؤلاء الكفار ليس لردع عدوانهم، بل هو بسبب كفرهم، وأنهم يقاتلون إلى أن يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.
وأما قوله: (وحل محل ذلك قانون المعاملة بالمثل، وهيمن مبدأ"لهم ما لنا وعليهم ما علينا") ؛ فإننا نقول له: ومن أين جئت بهذا المبدأ؟ هل لك أن تدلنا على آية أو حديث يقرر هذا المبدأ؟
إن الحق أن هذا المبدأ الذي يشير إليه المؤلف مبدأ باطل مخالف لكتاب الله وسنة رسوله، رغم شيوعه على ألسنة الكثيرين من المنتسبين للعلم في عصرنا هذا، فالله عز وجل يقول: {أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون} (القلم: 35 - 36) .
فهذا النص الحكيم يدل على أنه لا يمكن أن يساوى المسلم بالكافر - لا في الدنيا ولا في الآخرة - فكيف يكون لغير المسلم ما للمسلم وعليه ما عليه؟
ثم إني أسأل المؤلف ومن قال بقوله: إن للمسلم أن يتزوج بالكتابية، فهل للكتابي أن يتزوج بالمسلمة؟ وإذا كانت الإجابة؛ بلا - وهي كذلك قطعًا - فكيف يكون لهم ما لنا؟!
وإن على المسلم أن يدفع زكاة ماله؛ فهل على الذمي - وإن كان من أغنى الأغنياء - أن يدفع الزكاة؟ لا شك أنه ليس عليه زكاة، فإذا كان الأمر كذلك؛ فكيف يكون عليهم ما علينا؟!
والعجيب أن الكثيرين ممن يذكرون هذا المبدأ ينسبونه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا باطل، فإن هذا القول لا أصل له في شيء من كتب السنة، إذا كان المقصود به أهل الذمة، وإلا فهو وارد في شأن من أسلم من الكفار والمشركين.
كما في حديث أنس مرفوعًا: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله وأن يستقبلوا قبلتنا ويأكلوا ذبيحتنا وأن يصلوا صلاتنا، فإذا فعلوا ذلك؛ فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها، لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين) [214] .
وقد بين الشيخ الألباني في"السلسلة الضعيفة" [1103، 2176] ؛ بطلان هذا الحديث إذا قصد به أهل الذمة، ثم قال: (وإنَّ مما يؤكد بطلانه مخالفته لنصوص أخرى قطعية؛ كقوله تعالى: {أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون} ، وقوله صلى الله عليه وسلم:"لا يقتل مسلم بكافر"، وقوله:"لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام ..."، وكل هذه الأحاديث مما اتفق العلماء على صحتها) [215] .
[214] أخرجه أبو داود (2641) والترمذي (2608) والنسائي (7/ 76) (8/ 9) وأحمد (3/ 199) (3/ 224) وقال الترمذي حسن صحيح.
[215] انظر سلسلة الأحاديث الضعيفة (5/ 195) .