الصفحة 22 من 23

ثانيًا؛ هل الصَّغار مرتب على الحرابة؟

أمر الله تعالى بقتال أهل الكتاب ومن في حكمهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، ولا شك أن الصغار هو الإذلال - وبذلك فسره الإمام البخاري في صحيحه [207] -

وقد قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: {صاغرون} : (أي ذليلون حقيرون مهانون، فلهذا لا يجوز إعزاز أهل الذمة، ولا رفعهم على المسلمين بل هم أذلاء صغرة أشقياء، كما جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام وإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه" [208] ، ولذا اشترط عليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه تلك الشروط المعروفة في إذلالهم وتصغيرهم وتحقيرهم) [209] .

وهذا الصغار إنما لحق بهم لكونهم كافرين كما قال صلى الله عليه وسلم: ( ... وجعل الذلة والصَّغار على من خالف أمري ... ) [210] .

ولكن المؤلف يزعم أن هذا الصغار مرتب على الحرابة فقط، فيقول: (إن ما نقرؤه في هذه الآية من الإلجاء إلى الجزية ونظامها بما يسميه البيان الإلهي - صغارًا - جزاء رتبه الله على الحرابة، ومعاذ الله أن يكون مرتبًا على كفر أو انتساب لكتاب) [211] .

وهو حين يقرر هذا لا يأتي بدليل شرعي صحيح على ما زعمه، وغاية ما يذكره في ذلك قياسات عقلية لا يمكن أن تثبت أمام النصوص الشرعية القطعية، وذلك مثل قوله في نفس الصفحة: (ألا ترى لو أن جيرانًا مسلمين لنا لو خططوا لكيد تآمري ضدنا ... فإن الحق والمنطق؛ يقضيان بمقاتلتهم إن اقتضى الأمر، ثم بإلجائهم صاغرين إلى الانضباط الحقيقي بموازين العدل وحسن الجوار) .

وأقول: قد جاءت النصوص الشرعية القاضية بقتال أهل البغي الذين يبغون على إخوانهم المسلمين، لكن ليس فيها إذلالهم ولا ضرب الصَّغار عليهم، بل على النقيض من ذلك؛ ذكر أهل العلم أنه لا يجوز الإجهاز على الجريح من البغاة، ولا يجوز اتِّباع مدبرهم ولا يجوز استرقاقهم، وغير ذلك من الأمور التي تبين أنه لا يصح إلحاق الصغار بالمسلمين وإن كانوا بغاة، وإلا فليقل لنا الكاتب هل يجوز فرض الجزية على البغاة نتيجة بغيهم؟

فإذا كان ذلك لا يجوز - وهو كذلك قطعًا - فلا يصح إطلاق القول بأن الصغار إنما هو أمر مترتب على الحرابة، سواء جاءت من المسلمين أو غيرهم، وإنما الصواب؛ أن أهل البغي من المسلمين يقاتلون بسبب بغيهم، فإذا اندفع بغيهم كُف عنهم، ولا يجوز إذلالهم، أما غير المسلمين فقد ضرب الإسلام الصغار عليهم؛ بسبب كفرهم، لأنه لا يمكن أن يجعل المسلم كالكافر لا في الدنيا، ولا في الآخرة، كما قال تعالى: {أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون} (القلم: 35 - 36) .

وقد مر بنا قوله صلى الله عليه وسلم: ( ... وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري) ، وقوله: ( ... لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام وإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه) ، فهذا يبين أن الصغار والإذلال مترتب على الكفر لا على الحرابة.

ومما يؤكد ما قلناه أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد أخذ على نصارى أهل الشام حين صالحهم شروطًا فيها الإذلال والصغار، ومما جاء في تلك الشروط: ( ... وأن نوقر المسلمين ونقوم لهم عن مجالسنا إذا أرادوا الجلوس، وأن لا نتشبه بهم في شيء من لباسهم ... ولا نتكلم بكلامهم ولا نتكنى بكناهم، ولا نركب السروج ولا نتقلد السيوف، ولا نتخذ شيئًا من السلاح، ولا نحمله معنا ... وأن نجز مقادم رؤوسنا، وأن نلزم زينا حيث ما كنا، وأن نشد الزنانير على أوساطنا ... إلخ) [212] .

تلك الشروط التي سبق نقل وصف الإمام ابن كثير لها بأن فيها إذلالًا وتصغيرًا وتحقيرًا لهم، هذا مع أنها كانت شروط صلح بغير قتال، كما جاء في أولها من قول عبد الرحمن بن غنم: (كتبت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه حين صالح نصارى من أهل الشام، بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب لعبد الله عمر أمير المؤمنين من نصارى مدينة كذا وكذا ... إلخ) .

فقد ذكر أن هذا كان صلحًا، كما أن ذكر المدينة يؤكد ذلك؛ لأن سائر مدن الشام قد فتحت صلحًا إلا"قيسارية"فقد فتحت عنوة [213] .

والمقصود؛ أن الصغار قد ضرب على هؤلاء النصارى، مع أنه لم يكن بينهم وبين المسلمين حرب ولا قتال، فدل ذلك على بطلان ما ادعاه المؤلف؛ من أن الصغار لا يكون إلا أثرًا من آثار الحرابة، والله أعلم.

[207] انظر صحيح البخاري (6/ 257) .

[208] أخرجه مسلم (2167) وأبو داود (5205) والترمذي (2700) .

[209] تفسير ابن كثير (2/ 348) .

[210] قطعة من حديث أخرجه أحمد (2/ 50) من حديث ابن عمر، وعلق البخاري منه هذه الجملة وجملة قبلها (كتاب الجهاد والسير - باب ما قيل في الرماح- 6/ 98 - فتح) وهو حديث صحيح انظر إرواء الغليل للشيخ الألباني (1269)

[211] الجهاد في الإسلام ص: 131.

[212] تنظر تلك الشروط في تاريخ دمشق لابن عساكر (1/ 567) ، ومختصره لابن منظور (1/ 227) ، وأحكام أهل الذمة لابن القيم (2/ 657وما بعدها) ، وتفسير ابن كثير (2/ 348 - 349) ، واقتضاء الصراط المستقيم لشيخ الإسلام ابن تيمية ص: 121 - 122، قال ابن تيمية في الاقتضاء: رواه حرب بإسناد جيد، وقال ابن القيم في أحكام أهل الذمة (2/ 663) :"وشهرة هذه الشروط تغني عن إسنادها فإن الأئمة تلقوها بالقبول وذكروها في كتبهم واحتجوا بها".

[213] انظر المغني لابن قدامة (2/ 577) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت