الصفحة 116 من 236

المري وهم أربعمائة، وتجهزت بنو أشجع يرأسهم أبو مسعود بن رُخَيلَةَ، وتجهزت بنو سليم يرأسهم سفيان بن عبد شمس، وهم سبع مئة، وتجهزت بنو أسد يرأسهم طليحة بن خويلد الأسدي، وعدة الجميع عشرة آلاف محارب قائدهم العام أبو سفيان. ولما بلغه عليه الصلاة والسلام أخبار هاتِه التجهيزات، استشار أصحابه فيما يصنع أيمكث بالمدينة أم يخرج للقاء هذا الجيش الجرّار؟ فأشار عليه سلمان الفارسي بعمل الخندق وهو عمل لم تكن العرب تعرفه، فأمرعليه الصلاة والسلام المسلمين بعمله، وشرعوا في حفره شمالي المدينة من الحرّه الشرقية إلى الحرّة الغربية وهذه هي الجهة التي كانت عورة تُؤتى المدينة من قبلها. أما بقية حدودها فمشتبكة بالبيوت والنخيل، لا يتمكن العدو من الحرب جهتها، وقد قاسى المسلمون صعوبات جسيمة في حفر الخندق، لأنهم لم يكونوا في سعة من العيش حتى يتيسر لهم العمل، وعمل معهم عليه الصلاة والسلام، فكان ينقل التراب متمثلًا بشعر ابن رواحة:

اللهمَّ لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدَّقْنا ولا صلينا

فَأَنْزِلَنْ سكينةً علينا ... وثبِّتِ الأقدامَ إن لاقينا

والمشركون قد بَغَوا علينا ... وإن أرادوا فتنةً أبينا

وأقام الجيش في الجهة الشرقية مسندًا ظهره إلى سَلْع وهو جبل مطل على المدينة وعدّتهم ثلاثة آلاف، وكان لواء المهاجرين مع زيد بن حارثة، ولواء الأنصار مع سعد بن عبادة. أما قريش فنزلت بمَجْمع الأسيال، وأما عطفان فنزلت جهة أُحُد.

وكان المشركون معجبين بمكيدة الخندق التي لم تكن العرب تعرفها، فصاروا يترامون مع المسلمين بالنبل. ولما طال المطال عليهم أكره جماعة منهم أفراسهم على اقتحام الخندق، منهم: عكرمة بن أبي جهل، وعمرو بن عَبْدِ وَدٍّ وآخرون، وقد برز علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه لعمرو بن عبد ود فقتله وهرب إخوانه، وهوى في الخندق نوفل بن عبد الله، فاندقت عنقه، ورُمي سعد بن معاذ رضي الله عنه بسهم قطع أَكْحله، وهو شريان الذراع، واستمرت المناوشة والمراماة بالنبل يومًا كاملًا حتى فاتت المسلمين صلاة ذاك اليوم وقضوها بعد، وجعل عليه الصلاة والسلام على الخندق حُرَّاسًا حتى لا يقتحمه المشركون بالليل، وكان يحرس بنفسه ثُلمة فيه مع شدة البرد، وكان عليه الصلاة والسلام يبشّر أصحابه بالنصر والظفر ويَعِدهم الخير.

أما المنافقون فقد أظهروا في هذه الشدة ما تكنه ضمائرهم حتى قالوا: مَا وَعَدَنَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت