يا لله! يُقضى على الشقي بالشقاوة حتى لا يسمع ولا يبصر، فيتخذ الغدر رداءً، والخيانة شعارًا، فلا ينجح معه إلا إراحة العالم من شرّه. هذا كعب بن الأشرف اليهودي عظيم بني النضير، أعمته عداوة المسلمين حتى خلع بُرقُع الحياء، وصار يحرض قريشًا على حرب رسول الله، ويهجوه بالشعر، ويجتهد في إثارة الشحناء بين المسلمين، فكلما جبر عليه الصلاة والسلام كسرًا هاضه هذا الشقيُّ بما ينفثه من سموم لسانه.
قتل كعب بن الأشرف
ولما انتصر المسلمون ببدر، ورأى الأسرى مقرَّنينَ في الحبال خرج إلى قريش يبكي قتلاهم ويحرِّضهُم على حرب المسلمين، فقال عليه الصلاة والسلام:"من لكعب بن الأشرف، فإنه قد آذى الله ورسوله؟"فقال محمد بن مسلمة الأنصاري الأوسي: أتحِبُّ أن أقتله؟ قال:"نعم"، قال: أنا لك به، وائذن لي أقول شيئًا أتمكن به، فأذن له، ثم خرج ومعه أربعة من قومه حتى أتى كعبًا فقال له: إن هذا الرجل -يريد رسول الله- قد سألنا صدقة وإنه قد عَنَّانا، وإني قد أتيتك أستسلفك، قال: وأيضًا والله! لتملّنهُ، قال: إنا قد اتّبعناه، فلا نحبُّ أن ندعه حتى ننظر إلى أيّ شيء يصير شأنه، وقد أردنا أن تُسْلِفنا وسْقًا1 أو وسقين. قال: نعم ولكن ارْهَنُوني. قالوا: أي شيء تُريد؟ قال: ارهنوني نساءكم، قالوا: كيف نَرْهَنُك نساءنا وأنت أجمل العرب؟ قال: فأرهنوني أبناءكم. قالوا: كيف نرهنك أبناءنا فَيُسَبُّ أحدهم، فيقال: رُهن بوسق أو وسقين؟ هذا عار علينا، ولكن نرهنك اللأْمَةَ -يعني: السلاح- فرضي، فواعده ليلًا أن يأتيه فجاءه ليلًا ومعه أبو نائلة أخو كعب من الرضاع وعبَّاد بن بشر، والحارث بن أوس، وأبو عبس ابنُ جَبْر -وكلهم أوسيّون- فناداه محمد بن مسلمة، فأراد أن ينزلَ، فقالت له امرأته: أين تخرج الساعة وإنك امرؤ مُحارب؟ فقال: إنما هو ابن أخي
ـــــــ
1 الوَسْقُ صاعًا أي يساوي /130، 56 كغ/ باعتبار أن وزن الصاع / 2176غ/.