محمد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة، إن الكريم لو دُعي إلى طعنة بليل لأجاب. ثم قال محمد لمن معه: إذا جاءني فإني آخذ بشعره فأشُمَّهُ، فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه فاضربوه، فنزل إليهم كعب متوشِّحًا سيفه، وهو يَنْفُحُ منه ريح المسك. فقال محمد: ما رأيت كاليوم ريحًا أطيب، أتأذن لي أن أَشمَّ رأسك؟ قال: نعم فشمَّه، فلما استمكن منه قال: دونك فاقتلوه ففعلوا، وأراح الله المسلمين من شر أعماله التي كان يقصدها بهم، ثم أتوا النبي فأخبروه، وكان قتل هذا الشقي في ربيع الأول من هذا العام، وكان عليه الصلاة والسلام إذا رأى من رئيس غدرًا، ومقاصد سوء، ومحبة لإثارة الحرب، أرسل له من يُريحه من شرّه. وقد فعل كذلك مع أبي عَفَك اليهودي وكان مثل كعب في الشر1.
غزوة غَطَفَان
بلغ رسول الله أن بني ثعلبة ومحارب من غطفان تجمعوا برياسة رئيس منهم اسمه دُعْثُور، يريدون الغارة على المدينة، فأراد عليه الصلاة والسلام أن يَغُلَّ أيديهم كي لا يتمكنوا من هذا الاعتداء، فخرج إليهم من المدينة في أربعمائة وخمسين رجلًا لاثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأول، وخلف على المدينة عثمان بن عفان. ولما سمعوا بسير رسول الله هربوا إلى رءوس الجبال، ولم يَزَل المسلمون سائرين حتى وصلوا ماء يُسمى ذا أَمَرَّ2، فعسكروا به، وحدث أنه عليه الصلاة والسلام نزع ثوبه يجفِّفه من مطر بلَّله وارتاح تحت شجرة والمسلمون متفرقون، فأبصره دُعثور فأقبل إليه بسيفه حتى وقف على رأسه، وقال: مَنْ يمنعك مني يا محمد؟ فقال:"الله"، فأدركت الرجل هيبةٌ ورعب أسقطا السيف من يده، فتناوله عليه الصلاة والسلام، وقال لدعثور:"مَنْ يمنعك مني؟"قال: لا أحد3. فعفا عنه فأسلم الرجل، ودعا قومه للإسلام، وحوّل الله قلبه من عداوة رسول الله، وجمع الناس لحربه إلى محبته وجمع الناس له، {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاء} [المائدة: 54] وهذا ما ينتجه حسن المعاملة، والبعد عن الفظاظة وغلظ القلب، فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا
ـــــــ
1 السيرة النبوية: ج3 ص318 وما بعدها. ودلائل النبوة: ج3 ص187 وما بعدها.
2 ذو أَمَرّ: موضع بناحية النفيل.
3 دلائل النبوة للبيهقي: ج3 ص 168- 169.