الصفحة 123 من 236

131]. ثم هو بعد ذلك يدخل بيت رجل من متَّبعيه، وينظر إلى زوجه مصادفة ثم يشتهي زواجها؟ إن هذا لأمر عظيم تشعر1 بذلك صدورنا. ولو حدث أمر مثل ذلك من أقل الناس لعيب عليه، فكيف بمن اجتمعت كلمة المؤرخين على أنه أحسن الناس خلقًا، وأبعدهم عن الدنايا، وأشدّهم ذكاء وفراسة حتى مدحه الله بقوله في سورة ن: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم} [القلم:4] . لا شك أن هذه الخرافة مما يلتحق بخرافة الغرانيق، وضعها أعداء الدين ليصلوا بها إلى أغراضهم، والحمد لله قد ناقضت النقل والعقل، فلم تبق شبهة في أن الحقيقة ما نقلناه لك أولًا، وهو الذي يستفاد من القرآن الشريف، قال تعالى في سورة الأحزاب: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا} [الأحزاب: 37] . والذي أبداه الله هو زواجه بها، ولم يبد غير ذلك وهذا القرآن أعظم شاهد.

الحجاب

وفيه نزلت آية الحجاب وهو خاص بنساء رسول الله صلى الله عليه وسلم2، وكان عمر بن الخطاب قبل نزول آيته يحبّه ويذكره كثيرًا، ويودّ أن ينزل فيه قرآن، وكان يقول: لو أُطَاع فيكن ما رأتكنَّ عين، فنزل في سورة الأحزاب: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} [الأحزاب:53] . فقال بعضهم: أَنُنْهى أن نكلم بنات عمنا إلا من وراء الحجاب؟ لئن مات محمد لأتزوجن عائشة! فنزل بعد الآية المتقدمة: [الأحزاب:53] {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا} [الأحزاب: 53] . أما غير أزواجه عليه الصلاة والسلام من المؤمنات، فأُمِرْنَ بغضّ الأبصار، وحفظ الفروج، كما أمر بذلك الرجال، وأُمرن ألا يبدين زينتهنّ3 للأجانب إلا ما ظهر منها كالخاتم في الإصبع، والخضاب في

ـــــــ

1 تشعر: تعلم، من شَعَر بمعنى علم ومنه: ليت شعري أي علمي.

2 الحجاب اصطلاح على نساء الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو وضع خاص بهن. وهذا بخلاف الجلباب الذي هو لسائر نساء المسلمين.

3 يعني مواضع الزينة من الوجه والكفين اللذين دل النص على جواز ظهورهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت