يعجل بعجلة أحد، ومن غَالَبَ الله غلبه، ومن خادعَ الله خدعه، {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ} [محمد: 22] وأوصيكم بالأنصار خيرًا، فإنهم الذين تبوَّءوا الدار والإيمان من قبلكم أن تحسنوا إليهم، ألم يشاطروكم في الثمار؟ ألم يُوَسِّعُوا لكم في الديار؟ ألم يُؤْثروكم على أنفسهم وبهم الخصاصة؟ ألا فمن وُلي أن يحكم بين رجلين فليقبلْ من مُحسنهم، وليتجاوز عن مسيئهم، ألا ولا تستأثروا عليهم، ألا وإني فَرَطٌ لكم وأنتم لاحقون بي، ألا فإن موعدكم الحوض، ألا فمن أحبَّ أن يَرِدَه عليّ غدًا فليكفف يده ولسانه إلا فيما ينبغي"."
وبينما المسلمون في صلاة الفجر، من يوم الاثنين ثالث عشر ربيع الأول، وأبو بكر يصلي بهم، إذا برسول الله صلى الله عليه وسلم قد كشف سِجْفَ حجرة عائشة، فنظر إليهم وهم في صفوف الصلاة، ثم تبسم يضحك، فنكص أبو بكر رضي الله عنه على عقبه ليصلَ الصَّفَّ، وظن أن رسول الله يريد أن يخرج إلى الصلاة، وهمّ المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم فرحًا برسول الله، فأشار إليهم بيده: أن أتمّوا صلاتكم، ثم دخل الحجرة وأرخى الستر1.
وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم
ولم تأت ضحوة هذا اليوم حتى فارق رسول الله صلى الله عليه وسلم دنياه، ولحق بمولاه، وكان ذلك في يوم الاثنين 13 ربيع أول سنة 11 [8يونيو سنة 633] فيكون عمره عليه الصلاة والسلام 63 سنة قمرية كاملة، وثلاثة أيام، وإحدى وستين شمسية، وأربعة وثمانين يومًا، وكان أبو بكر غائبًا بالسُّنْح - وهي منازل بني الحارث بن الخزرج- عند زوجه حبيبة بنت خارجة بن زيد، فسلَّ عمر سيفه، وتوعَّد مَنْ يقول: مات رسول الله، وقال: إنما أرسل إليه كما أرسل إلى موسى، فلبث عن قومه أربعين ليلة، والله، إني لأرجو أن يُقَطَّع أيدي رجالٍ وأرجلَهم.
فلما أقبل أبو بكر وأُخبر الخبر دخل بيت عائشة، وكشف عن وجه رسول الله، فجثا يُقَبِّلُه، ويبكي، ويقول: توفي والذي نفسي بيده، صلوات الله عليك يا رسول
ـــــــ
1 دلائل النبوة: ج6 ص 194 وما بعدها، وانظر ص 186 أيضًا، وانظر طبقات ابن سعد: ج2 ص 214.