الصفحة 211 من 236

وحَسْبُك شاهدًا في هذا الباب ما فعله مع هوازن من ردِّ السبي إليها، وما فعله يوم تقسيم السبي من إعطاء المؤلفة قلوبهم عظيم الأعطية. وقد استوفينا ذلك في موضعه.

وحُمل إليه عليه الصلاة والسلام تسعون ألفًا، فوضعها على حصير وأخذ يقسمها فما قام حتى فرغ منها.

وجاءه رجل فسأله فقال:"ما عندي شيء، ولكن ابتعْ عليّ، فإذا جاءنا شيء قضيناه"فقال له عمر: ما كلَّفَكَ الله ما لا تقدرُ عليه، فكره ذلك عليه الصلاة والسلام، فقال له رجل من الأنصار: يا رسول الله، أنفق ولا تخفْ من ذي العرش إقلالًا، فتبسم عليه الصلاة والسلام وعُرِفَ البشرُ في وجهه وقال:"بهذا أُمِرتُ".

والأخبار بجوده وكرمه عليه الصلاة والسلام كثيرة يكفي منها لتعليمك ما ذكرناه.

شجاعته صلى الله عليه وسلم

ومنها الشجاعة والنجدة، فكان عليه الصلاة والسلام منهما بالمكان الذي لا يُجهل، قد حضر المواقف الصعبة، وفرّ الكُمَاةُ والأبطال عنه غير مرة، وهو ثابت لا يَبْرَح، ومُقْبل لا يُدبر، ولا يتزحزح، وما من شجاع إلا أُحصيت له فرّة، وحفظت عنه جولة، سواه. وحسبك ما فعله في حُنَيْنٍ وأُحُد مما ذكرناه مستوفى.

وقال ابن عمر: ما رأيتُ أشجعَ ولا أنجدَ ولا أجود ولا أرضى من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال عليٌّ: إنا كنّا إذا اشتد البأسُ، واحْمرَّت الحَدَقُ اتقينا برسول الله، فما يكون أحدٌ أقربَ إلى العدو منه، ولقد رأيتُني يوم بدر، ونحن نلوذ بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهو أقربنا إلى العدو، وكان من أشد الناس يومئذٍ بأسًا. وقال أنس: كان عليه الصلاة والسلام أشجعَ الناس، وأحسنَ الناس، وأجودَ الناس، لقد فزع أهل المدينة ليلة، فانطلق ناسٌ قِبَل الصوت، فتلقاهم عليه الصلاة والسلام راجعًا، قد سبقهم إلى الصوت، واستبرأ الخبر على فرس لأبي طلحة عُرْيٍ، والسيف في عنقه، وهو يقول:"لن تُراعوا".

وأما الحياء والإغضاء، فكان عليه الصلاة والسلام أشدَّ الناس حياءً، وأكثرهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت