الصفحة 213 من 236

في أقصى المدينة، ويقبل عذر المعتذر. وقال أنس: ما التقم أحد أُذن النبي يحادثه فنحَّى رأسه، حتى يكون الرجل هو الذي ينحِّي رأسه، وما أخذ أحدٌ بيده فيرسل يده حتى يرسلها الآخر.

وكان يبدأ من لقيه بالسلام، ويبدأ أصحابه بالمصافحة، لم يُرَ قطّ مادًّا رجليه بين أصحابه حتى يُضَيِّقَ بهما على أحد، يُكرم من يدخل عليه، وربما بسط له ثوبه، ويؤثره بالوسادة التي تحته، ويعزم عليه في الجلوس عليها إن أبى، ويُكَنِّي أصحابه، ويدعوهم بأحبِّ أسمائهم تكرمةً لهم، ولا يقطعُ على أحد حديثه، حتى يتجوَّزَ فيقطعه بنهي أو قيام، وكان أكثرَ الناس تبسمًا، وأطيبهم نفسًا، ما لم يُنزل عليه قرآن، أو يعظ، أو يخطب.

وأما الشفقة والرأفة والرحمة لجميع الخلق فقد وصفه الله بها في قوله تعالى: {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128] وقال: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِين} [الأنبياء: 107] .

وروي أن أعرابيًا جاءه يطلب منه شيئًا فأعطاه، ثم قال:"أأحسنت إليك؟"قال الأعرابي: لا، ولا أجملت. فغضب المسلمون وقاموا إليه، فأشار إليهم أن كُفُّوا، ثم قام ودخل منزله، وأرسل إليه، وزاده شيئًا، ثم قال:"أحسنت إليك؟"فقال: نعم، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرًا، فقال عليه الصلاة والسلام:"إنك قُلتَ: ما قُلتَ، وفي أنفس أصحابي من ذلك شيء، فإن أحببتَ فقل بين أيديهم ما قلت بين يديّ، حتى يذهبَ ما في صدورهم عليك"قال: نعم، فلما كان الغد - أو العشي- جاء فقال عليه الصلاة والسلام:"إن هذا الأعرابي قال ما قال، فزدناه فزعمَ أنه رضي أكذلك؟"قال: نعم، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرًا، فقال عليه الصلاة والسلام:"مثلي ومثلُ هذا مثل رجل له ناقة شردتْ عليه، فاتَّبعها الناس فلم يزيدوها إلا نفورًا، فناداهم صاحبها: خلوا بيني وبين ناقتي فإني أرفق بها منكم وأعلم، فتوجه لها بين يديها، فأخذ لها من قمام الأرض، فردّها، حتى جاءتْ واستناختْ، وشدَّ عليها رحلها واستوى عليها، وإني لو تركتكم حيثُ قال الرجلُ ما قال فقتلتموه دخل النار". وقال عليه الصلاة والسلام:"لا يُبَلِّغني أحد منكم عن أصحابي شيئًا فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليمُ الصدر". وكان يسمعُ بكاء الصبي فيتجوَّزُ في صلاته. وعن ابن مسعود كان عليه الصلاة والسلام يتخوّلنا بالموعظة مخافة السآمة علينا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت