هذا، فمضوا على حالهم، فَقَدِمُوا على ربهم فأكرم مآبهم، وأجزل ثوابهم. فأجدني أستحي إن ترفَّهتُ في معيشتي أن يُقَصَّرَ بي غدًا دونهم، وما من شيء هو أحبُّ إليّ من اللحوق بإخواني وأخلّائي". قالت: فما أقام بعدُ إلا شهرًا حتى توفي صلواتُ الله عليه وسلامه."
طاعته لله تعالى وعبادته
وأما خوفه ربه، وطاعته له، وشدّة عبادته، فعلى قدر علمه بربه. ولذلك قال:"لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكَيتم كثيرًا""أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون أَطَّتْ -صَوَّتت- السموات وحُقَّ لها أن تَئِطَّ، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدًا لله، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصُّعُدات تجأرون إلى الله تعالى. لوددت أني شجرة تعضد".
وكان عليه الصلاة والسلام يصلي حتى تَرِمَ1 قدماه، فقيل له: أَتَكَلَّفُ هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال:"أفلا أكون عبدًا شكورًا!".
وقالت عائشة رضي الله عنها: كان عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم دِيمةً، وأيُّكُم يطيق ما كان يطيق؟ وقالت: كان يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم. وقال عوف بن مالك: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة، فاستاكَ، ثم توضأ، ثم قام يصلي، فقمت معه فاستفتح البقرة، فلا يمرّ بآية رحمة إلا وقف فسأل، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف فتعوذ، ثم ركع فمكث بقدر قيامه، يقول:"سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة"، ثم سجد، وقال مثل ذلك. ثم قرأ"آل عمران"ثم سورة سورة يفعل مثل ذلك. وقال بعضهم: أتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل، وفي وصف ابن أبي هالة: كان متواصلَ الأحزان دائم الفكرة ليست له راحة.
وعن علي رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سنّته فقال:"المعرفةُ رأس مالي، والعقل أصل ديني، والحبُّ أساسي، والشوقُ مركبي، وذكر الله أنيسي، والثقة كنزي، والحزنُ رفيقي، والعلمُ سلاحي، والصبرُ ردائي، والرضا غنيمتي، والعجزُ"
ـــــــ
1 من الورم.