الصفحة 220 من 236

معجزة القرآن ا لكريم

اعلم أن كتاب الله العزيز مُنْطوٍ على وجوه من الإعجاز كثيرة، وتحصيلها من جهة ضبط أنواعها في أربعة:

أولها: حسن تأليفه، والتئام كلمه، وفصاحته، ووجوه إيجازه، وبلاغته الخارقة عادة العرب، وذلك أنهم كانوا أربابَ هذا الشأن، وفرسان الكلام، قد خُصُّوا من البلاغة والحكم بما لم يُخَصَّ به غيرهم من الأمم، وأُوتوا من ذرابة اللسان ما لم يُؤتَ إنسان، ومن فصل الخطاب ما يُقَيِّد الألباب، جعل الله لهم ذلك طبعًا وخِلْقة، وفيهم غريزة وقوة، يأتون منه على البديهة بالعجب، ويُدْلُون به إلى كل سبب، يخطبون بديهًا في المقامات، وشديد الخَطْب، ويرتجزون به بين الطعن والضرب، ويقدحون ويمدحون، ويتوسلون ويتوصلون، ويرفعون ويضعون، فيأتون من ذلك بالسِّحر الحلال، ويُطَوِّقون من أوصافهم أَجْمَلَ من سمط اللآل، فيخدعون الألباب ويذللون الصعاب، ويُذْهبون الإِحن، ويُهيجون الدِّمَن، ويجرِّئون الجبان، ويصيرون الناقص كاملًا، ويتركون النبيه خاملًا، منهم البدوي ذو اللفظ الجزل، والقول الفَصْل، والكلام الفخم، والطبع الجوهري، والمنزع القوي، ومنهم الحضري، ذو البلاغة البارعة، والألفاظ الناصعة، والكلمات الجامعة، والطبع السهل، والتصرف في القول القليل الكلفة، الكثير الرونق، الرقيق الحاشية، وكلاهما له في البلاغة الحجة البالغة، والقوة الدامغة، والقِدحُ الفالج، والمَهْيعُ الناهج، لا يشكون أن الكلام طوع مرادهم، والبلاغة ملك قيادهم، قد حَووا فنونها، واستنبطوا عيونها، ودخلوا من كل باب من أبوابها، وعَلَوا صرحًا لبلوغ أسبابها، فقالوا في الخطير والمهين، وتفننوا في الغثّ والسمين، وتقاولوا في القُّل والكُثْر، وتساجلوا في النظم والنثر، فما راعَهم إلا رسول كريم، بكتاب عزيز: {لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 42] ، أُحكمت آياته، وفُصِّلتْ كلماته، وبهرتْ بلاغته العقول، وظهرتْ فصاحتُه على كل مقول، وتضافر إيجازه وإعجازه، وتظاهرت حقيقته ومجازه، وتبارت في الحسن مطالعه ومقاطعه، وحَوَتْ كل البيان مجامعه وبدائعه، واعتدل مع إيجازه حسن نظمه، وانطبق على كثرة فوائده مختار لفظه، وهم أفسح ما كانوا في هذا الباب مجالًا، وأشهر في الخطابة رجالًا، وأكثر في الشعر والسجع ارتجالًا، وأوسع في الغريب واللغة مقالًا، بلغتهم التي بها يتحاورون، ومنازعهم التي عنها يتناضلون،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت