وأنزل في أيضًا في سورة ن: {وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّف} كثير الحلف، وكفى بهذا زاجرًا لمن اعتاد الحلف1 {مَهِينٍ} حقير وأراد به الكذاب لأنه حقير في نفسه {هَمَّازٍ} عياب طعان {مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ} بنقل الأحاديث للإفساد بين الناس {مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ، عُتُلٍّ} غليظ جاف {بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ} دخيل {أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ ، إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ ، سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ} [القلم: 10-16] كناية عن الإذلال والتحقير لأن الوجه أكرم عضو والأنف أشرف ما فيه، ولذلك اشتقوا منه كل ما يدل على العظمة، كالأنفة وهي: الحمية. فالوسم على أشرف عضو دليل الإذلال والإهانة.
ومن المستهزئين: النضر بن الحارث العبدري من بني عبد الدار بن قصي، كان إذا جلس رسول الله مجلسًا للناس يحدثهم ويذكرهم ما أصاب من قبلهم، قال النضر: هلموا يا معشر قريش! فإني أحسن منه حديثًا ثم يحدث عن ملوك فارس، وكان يعلم أحاديثهم، ويقول2: ما أحاديث محمد إلا أساطير الأولين، وفيه نزل في سورة لقمان: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ، وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [لقمان: 6، 7] وكل هؤلاء انتقم الله منهم كما قال الله تعالى في سورة الحجر: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ، الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [الحجر: 95-96] وقد وضع الله جل ذكره الوعد في صورة الماضي للتحقق من وقوعه، لأن الآية مكية، وهلاك هذه الفئة كان بعد الهجرة، فمنهم من قتل كأبي جهل، والنضربن الحارث، وعقبة بن أبي معيط، ومنهم من ابتلاه الله بأمراض شديدة فهلك منها كأبي لهب، والعاص بن وائل، والوليد بن المغيرة3.
ـــــــ
1 ليس في الآية دليل على عدم جواز الحلف كما هو ظاهر العبارة هنا، بل فيها الزجر عن الحلف الكاذب بيمين كاذبة فاجرة.
2 نقل المفسرون هذه الرواية في تفسير سورة لقمان.
3 انظر دلائل النبوة: ج2 ص335 وص 274.