لهم:"أنتم كفلاء على قومكم ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم، وأنا كفيل على قومي"ولأمر ما أراده الله بلغ خبر هذه البيعة مشركي قريش، فجاءوا ودخلوا شعب الأنصار، وقالوا: يا معشر الخزرج، بلغنا أنكم جئتم لصاحبنا تخرجونه من أرضنا وتبايعونه على حربنا؟ فأنكروا ذلك، وصار بعض المشركين الذين لم يحضروا المبايعة يحلفون لهم أنهم لم يحصل منهم شيء في ليلتهم وعبد الله بن أُبَي كبير الخزرج يقول: ما كان قومي ليفتاتوا علي بشيء من ذلك1.
هجرة المسلمين إلى المدينة
ولما رجع الأنصار إلى المدينة ظهر بينهم الإسلام أكثر من المرة الأولى، أما رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فازداد عليهم أذى المشركين لما سمعوا أنه حالف قومًا عليهم، فأمر عليه الصلاة والسلام جميع المسلمين بالهجرة إلى المدينة، فصاروا يتسللون خيفة قريش أن تمنعهم، وأول من خرج أبو سلمة المخزومي زوج أم سلمة ومعه زوجه، وكان قومها منعوها منه ولكنهم أطلقوها بعد فلحقت به. وتتابع المهاجرون فرارًا بدينهم ليتمكنوا من عبادة الله الذي امتزج حبه بلحمهم ودمهم، حتى صاروا لا يعبؤون بمفارقة أوطانهم والابتعاد عن آبائهم وآبائهم ما دام في ذلك رضا الله ورسوله، ولم يبق بمكة منهم إلا أبو بكر وعلي وصهيب وزيد بن حارثة، وقليلون من المستضعفين الذين لم تمكنهم حالهم من الهجرة، وقد أراد أبو بكر الهجرة2 فقال له عليه الصلاة والسلام:"على رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي"، فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك بأبي أنت؟ قال:"نعم"، فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله ليصحبه، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر استعدادًا لذلك.
ـــــــ
1 دلائل النبوة: ج2 ص442. وقد كانت هذه البيعة على الحرب والقتال، وذلك أنهم سلموا الرسول صلى الله عليه وسلم السلطان في المدينة للحكم، وقد ظهر من الألفاظ في هذه البيعة أن الوفد الذين حضروا كانوا يمثلون المسلمين في المدينة تمثيلًا فعليًا، والاختيار للنقباء للتمثيل الحقيقي الكافي بهذا العدد.
2 السابق: ج2 ص458 وما بعدها.