الصفحة 64 من 236

فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر:9] وهذا أعلى درجات الأخوة، وكل ذلك كانوا يرونه قليلًا بالنسبة لما وجب عليهم لإخوانهم، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليُمَكِّنَ بينهم الإخاء، آخى بين المهاجرين والأنصار، فكان كل أنصاري ونزيلُه أخوين في الله، ومن العبث أن نكلف القلم أن يوضّح للقارئ أن هذه الأخوة كانت أرقى بكثير من الأخوة العصبية، بل نَكِلُ ذلك للإحساس الإسلامي فإنه أفصح منطقًا من القلم. وعلى الإجمال فتلك قلوب أَلَّفَ الله بينها حتى صارت شيئًا واحدًا في أجسام متفرقة، وعسى الله أن يوفّق مسلمي عصرنا إلى هذا الإخاء حتى يَسُوْدوا كما ساد المتحدون، وكان هذا الإخاء على المواساة والحق، وأن يتوارثوا بعد الموت دون ذوي الأرحام، وكان عليه الصلاة والسلام يقول لكل اثنين:"تآخيا في الله أخَوين أخوين". ودام هذا الميراث إلى أن أنزل الله سبحانه قوله في سورة الأحزاب: {وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} [الأحزاب: 6] .

هِجْرَةُ أَهْلِ الْبَيْتِ

ولما استقر عليه الصلاة والسلام بالمدينة أرسل زيد بن حارثة وأبا رافع إلى مكة ليأتيا بمن تخلف من أهله، وأرسل معهما عبد الله بن أُرَيقط يدلهما على الطريق، فقَدِما بفاطمة وأُم كلثوم ابنتيه عليه الصلاة والسلام، وسَودة زوجه، وأُم أيمن زوج زيد وابنهما أسامة، وأما زينب فمنعها زوجها أبو العاص بن الربيع، وخرج مع الجميع عبد الله بن أبي بكر بأُمّ رومان، زوج أبيه، وعائشة أخته، وأسماء زوج الزبير بن العوّام، وكانت حاملًا بابنها عبد الله، وهو أول مولود للمهاجرين بالمدينة.

حُمَّى المَدِينَةِ

ولم يكن هواء المدينة في البدء موافقًا للمهاجرين من أهل مكة، فأصاب كثيرًا منهم الحُمَّى، وكان رسول الله يعُودهم، فلما شَكوا إليه الأمر قال:"اللهمّ حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة وأشد، وبارك لنا في مُدِّها وفي صاعها، وانقل وباءها إلى الجُحْفَة". فاستجاب الله جَلَّ وعلا دعوته، وعاش المهاجرون في المدينة بسلام1.

ـــــــ

1 دلائل النبوة: ج2 ص565.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت