لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ [آل عمران: 12، 13] وعند ذلك تبرأ من حلفهم عبادةُ بن الصامت، أحد رؤساء الخزرج، وتشبَّث بالحلف عبد الله بن أُبَيّ، وقال: إني رجل أخشى الدوائر، فأنزل الله تعليمًا للمسلمين في سورة المائدة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ، فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ} [المائدة: 51، 52] .
وعندما تظاهر يهود قينقاع بالعداوة وتحصنوا بحصونهم، سار إليهم عليه الصلاة والسلام في نصف شوال من هذه السنة، يحمل لواءه عمه حمزة، وخلَّف على المدينة أبا لبابة الأنصاري، فحاصرهم خمس عشرة ليلة1.
جلاء بني قينقاع
ولما رأوا من أنفسهم العجز عن مقاومة المسلمين، وأدركهم الرعب، سألوا رسول الله أن يخلي سبيلهم، فيخرجوا من المدينة ولهم النساء والذريّة، وللمسلمين الأموال. فقَبِل ذلك عليه الصلاة والسلام، ووكَّل بجلائهم عبادة بن الصامت وأمهلهم ثلاث ليالٍ، فذهبوا إلى أَذْرعات، ولم يحل عليهم الحَوْل حتى هلكوا، وخمَّس عليه الصلاة والسلام أموالهم، وأعطى سهم ذوي القربى لبني هاشم ولبني المطلب دون بني أخويهما عبد شمس ونوفل، ولما سُئِل عن ذلك قال:"إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد في الجاهلية والإسلام هكذا"، وشبك بين أصابعه.
غزوة السَّويق2
كان أبو سفيان متهيجًا، لأنه لم يشهد بدرًا التي قتل فيها ابنه وذوو قرباه فحلف ألّا يمس رأسه الماء حتى يغزو محمدًا، وليبرّ بقسمه خرج بمائتين من أصحابه يريد
ـــــــ
1 دلائل النبوة: ج3 ص173.
2 سميت بذلك لأنهم كانوا يطرحون السويق في أزوادهم؛ وهو عبارة عن أن تحمص الحنطة أو الشعير ويسافر بها، وقد تمزج باللبن والعسل وتُلَتُّ بالسمن. انظر السيرة النبوية: ج3 ص310 لابن هشام.