إذًا القضيّة التي يجب تجليتها هي قضيّة كليّة متعلّقة بتصحيح مفهوم النّاس حول واقعهم ثمّ السير بهم نحو أهدافهم.
نعم هناك ما هو جزئي يعين هذا الكلّي ويجلّيه وهو بيان ضلال وفساد ما وضع في الشريعة من أحاديث مكذوبة وضعيفة.
وعلى هذا فشعار التصفية والتربية لا يكون له قيمة أبدًا إذا لم نحدّد ماذا نريد، وهو الذي يسبقه حتمًا ولزومًا وصفًا حقيقيًا لواقعنا الذي نعيشه ونحياه.
وهنا أجدني مضطرًا لنقل ما قاله الأخ إبراهيم العسعس في كتابه الجريء"السلف والسلفيّون رؤية من الداخل"ليخدم هذا الموضوع، يقول:"كيف سيستأنف السلفيّون الحياة الإسلامية؟".
يقول:"وقبل (كيف) هذه، هناك سؤال ينبغي أن يسبقها وهو: هل يفكّر السلفيون في هذا الموضوع؟ وما هو حجم الحيّز الذي تشغله هذه القضية من اهتماماتهم؟". ثمّ يتابع:"كانت بداية السّلفية المعاصرة بداية علمية، تدعو إلى مجموعة من الأصول المعلومة، وجهدهم الذي تعلّق بالواقع انصبّ على محاربة المذهبية، والشرك المتعلق بالقبور والرقى والتمائم، والبدع العملية المنتشرة في الأمّة، ولم يكن لهم جهدٌ ولم يزالوا كذلك، يتعلق بالواقع العام للأمّة، ولم يطرقوا من توحيد الألوهية ما يتعلّق بالحاكميّة والتشريع، بل إنّ رموز السلفية يفتخرون بعدم وجود علاقة لهم بالسياسة، ففي نظرهم أن السلفية كلمة تنفي بمعناها المتبادر منها، أي معنى يدل على حركة سياسية".
ثم يقول:"إنّ المتتبّع لرسائل (الدعوة السلفية) يجد أمرًا جديرًا بالملاحظة، وهو أنّ استئناف الحياة الإسلامية لم يكن من ضمن أهدافهم التي اعتادوا ذكرها على الغلاف الأخير لرسائل الدعوة السّلفية، ثمّ منذ سنوات درجوا على ذكرها، استجابة -كما يبدو- لضغط التيّار الإسلامي الذي يدعو إلى استئناف الحياة الإسلامية، فأضافوها مجاملة ورفعًا للعتب". ويقول بعد ذلك:"الآن قطاعٌ كبير من الشّباب السلفي بدأ ينتبه إلى واقعه ولزوم تغيره بعد أن وجد أنّه قضى ردحًا من عمره مهتمّا بواقع الأئمّة (أي القدماء) "، ثمّ يتابع:"أمن أجل هذا بدأت ألسِنة البعض تجلدهم، وأقلامهم تطعنهم؟"، ويتساءل قائلًا:"لحساب من يراد من السلفيّة أن تقبع في القبور؟ ولحساب من يراد من السلفية أن تتحول إلى دار نشر توظّف مجموعة من الكتبة الذين يحترفون تحقيق رسائل، جهلها لا يضر، وعلمها لا ينفع، رسائل لا يخرج تداولها -عند التدقيق- عن كونه تجارة ورق؟ لحساب من يراد للسلفية أن تبقى محصورة في تصفية الأحاديث؟ وإلى متى؟ لحساب من توضع الأيدي على آيات توحيد الإلهية، ويهمل شرك الحاكمية، ويسكت عن الطاغوت، بل ويوالى ويحبّ ويمدح؟".
ثم يقول: أسئلة مشروعة تحتاج لإجابات واضحة وتقتضي من الإخوة السلفيين لحظة تأمّل لعلنا وإياهم نحيي منهجًا للسّلف اندرس، ونسير في طريق لأهل السنّة انطمس، ولعلّنا وإيّاهم نحيي سنّةً لرسول الله صلى الله عليه وسلّم في عداوة الطاغوت ونصر التوحيد. ا. هـ.
نعم صدق الأخ إبراهيم، ونعم ما قال، وكتابه هذا جدير بالقراءة والدّراسة وهو يدل على أن الشباب السلفي أتقن القواعد وصار يستخدمها مع درجة عالية من الفهم لواقعه، وما أظنّ شيوخ المنهج يضرّهم أو يغضبهم أن ينطلق تلاميذهم يعيدًا عنهم نحو الأمام وبالاتّجاه الصحيح، لأنّ المنهج نفسه يدعو لهذا وينصره ويريده، وقد كان الشيخ ناصر كثيرًا ما يدعو تلاميذه لمراجعته ومناقشته وينهاهم عن تقليده أقول هذا الكلام مع خشيتي على المنهج السلفي من اللصوص، وقطّاع الطّرق من أن يسرقوا جوهره، ويحوّروا حقيقته، وما هذه الورقات التي كتبتها عن الشيخ إلا محاولة لتطبيق المنهج ولتصحيح المسار لأن المنهج أهمّ وأولى من كلّ المصالح.
ومرادي من هذه الكلمات هم أصحاب النظر السديد والعقل الراجح التاركين للتقليد والعصبية مع علمي الأكيد أنّ المقلّدة لن يسكتوا بل سيُثيروا حَولي التّهم وربما استخدموا الشيخ ضدّ هذه الكلمات ببتر بعض الجمل عن موضعها وإنزالها على غير حقيقتها بل ربّما قد فعلوها فالله حسيب الجميع وهو مرادي ومقصدي ولا حول ولا قوة إلا بالله.