كيف فهم السّلف شعار التّصفية والتربية؟ من المعلوم عقلًا وشرعًا أنّ كل فعل يحتاج المرء لتحصيله لا بدّ أن يسلك له طريقًا سننيًّا محدّدًا ومعلومًا، ولا بد من أن يكون هناك رابط بين السبب والمسبّب، وهذا الرابط حين يكون قدريًا يكون شرعيًا، وحين يكون شرعيًا يكون قدريًّا، والمسألة تبدأ بتحديد المراد وتبيّنه ثمّ بمعرفة الأسباب الشرعيّة الصّحيحة الموصلة لهذا المراد، فهي تبدأ علمًا ورغبةً ودراسة وفقها، ثمّ إنّه إذا قوي الداعي لتحصيل المطلوب بدأ المرء بتجميع هذه الأسباب والاستكثار منها، مع إزالة العوائق والتقليل منها، وحينها يشرع المرء في السير السنني الصحيح لتحصيل المراد والمطلوب.
في التاريخ الإسلامي، ولعوامل سننيّة دخل على المسلمين ما دخل على الأمم السّابقة، حيث دخلت علينا الخرافة واستقرّت في أذهاننا وصارت منهجًا متّبعًا في تفسير أحداث الحياة والكون، وإذا وجد في المسلمين من تكلّم عن توحيد الشرع، وبيّن مدى الانحراف الذي وصلت إليه الأمّة، ثم حاول المرّة تلو المرّة في ردّها إلى الطريق الصحيح -مع أنّه لا تزال تعاني مرض الإرجاء الخبيث- إلاّ أنّ توحيد القدر لا يزال وإلى الآن يعاني ضعفًا شديدًا، دراسةً وفهمًا، فعامّة النّاس ومنهم قادة الجماعات ما زالوا يفسّرون الأحداث عن طريق حركة الغيب الجبرية دون أيّ اهتمام بالعوامل السننية القدرية، مع أن المرء لا يمكن أن يجرّد توحيد القدر تجريدًا صحيحًا إلاّ بعد أن يفهم توحيد الشرع ويعمل به حقّ العمل.
ولتفسير ذلك نقول: من المعلوم أنّ مراد توحيد الشرع هو تحصيل التقوى، والتقوى هي: امتثال الأوامر الشرعية لتحقيق الوعود الإلهية، والأوامر الشرعية هي أسباب قدرية، وعلى هذا فإن الله أمر بالكسب، (فهو أمرٌ شرعي وسبب قدري) وبه يتحقق الكفاف، والذي هو (وعد إلهي) .
وقد أمر الله تعالى بالجهاد فهو أمرٌ شرعي وسببٌ قدري وبه يتحقّق النّصر، وهو وعدٌ إلهي، فالوعد الإلهي لا يقع إلاّ بفعلٍ بشريّ على الوجه الصحيح، ويثبت الوجه الصحيح عن طريق الحكم الشرعي والحكم القدريّ، إذا فهمنا هذا وقلبنا القاعدة فإنّ المخالفات الشرعيّة، وهي ضدّ التقوى (والمخالفات تكون بالترك، أو بعمل الخطأ) تتحقق بها عقوبات إلهية، والمخالفات الشّرعية هي أسبابٌ قدريَّة.
ولو أردنا أن نمثّل الأمر عن طريق الخطوط فيكون كالتالي:
(1) القاعدة الأولى: أوامر شرعية التقوى أسباب قدرية
وعود إلهية (أقدار) .
(2) القاعدة الثانية: مخالفات شرعية المعاصي أسباب قدرية
عقوبات إلهية (أقدار) .
وهاتان القاعدتان هما قانونا الدنيا والآخرة.
إذًا لا بدّ أن نحدد المطلوب ثمّ نعرف سبب تحقيقه وكيفية الوصول إليه ثمّ نعمل بهذه الأسباب ونجدّ بها للوصول إلى المُراد. وهذا أمرٌ يقع على كل أمر، وفي جميع أطوار الحياة.
ولمّا دخلت عقيدة الإرجاء الباطلة (وهي لا تعطي قيمة للأمر الشرعي، بل هي ترى القيمة الأولى والأخيرة للعلم والتصديق) وتآخت هذه العقيدة مع عقيدة الجبر (وهي كذلك لا تعطي قيمة للعمل السنني، بل ترى أن الحياة تُسيّر بطريقة غيبيّة مطلقة) أفرزتا في المسلمين طرقًا ومناهج في فهم الأمور وطرُقِ تحصيلها، فجاءت العقيدة الصّوفيّة واستغلّت ذلك كلّه (والصوفيّة تقوم على المنهج الغنوصي العرفاني الذي يقوم على تفسير الأمور تفسيرًا باطنيًّا -يزعمونه غيبيًّا- ويستمدّ رؤاه من الكشف والجذبة وحقيقتهما الجنون) ولإصباغ النظر الصّوفي صبغة إسلامية شرعية فلا بدّ من خلط الأمور بأسماء شرعيّة ولكن على الحقائق الكاذبة، فمثلًا لو سألت رجلا (عارفًا، وليًّا، صوفيًّا) عن الطريقة المثلى لتحقيق النّصر على الأعداء لأجابك بنفس مطمئنّة أنّ الطريق الصحيح هو قيام الليل أو صوم النهار، وهو بهذا يستخدم معك سيف اللفظ الشرعي، وبه يمنعك من الاستهزاء والرّفض، فإنَّ قيام الليل أمرٌ عظيم في دين الله، ولكن ليس بقيام الليل يتحقّق النصر، ولا بصوم النهار يتحقّق كذلك، بل الواجب على أمير الجيش أن يأمر المقاتلين بعدم السّهر ومنه قيام الليل، ويحضّهم على الإفطار تقوية لأبدانهم، فليس كلّ أمرٍ شرعي يصلح أن يكون سببًا شرعيًا وقدرياّ لأي وعدٍ إلهي، بل لا بدّ من التوافق الشرعي والقدري بين السبب والمسبّب.