2 -ما يزال الشّيخ يرى أنّ قضية تكفير الحاكم مسألة لا أهمّية لها، ويجب أن لا تُشغلنا ولا تشغل بال الشّباب المسلم، فإنّه كثيرًا ما يسأل عن الحكّام وكُفرهم فيكون جوابه: وماذا يفيدنا تكفير الحكام وعدم تكفيرهم؟ وقوله هذا خطأ بيّن، لأنّ هذه المسألة لا تُعدُّ تَرَفًا فِكريًّا، وليست هي من المسائل التصوّريّة التي لا تفرز واقعًا وسلوكًا وعملًا، لا بل هي مسألة مهمّة جدًّا في حياة النّاس، فإنّ المرء حين يعتقد كفر هذا الحاكم، ثم جمع هذا الحاكم حوله طائفة وجماعة تدافع عن هذا الكفر وتحميه بالشّوكه والسّلاح، فإنّ الواجب على المسلم أولًا أن يعلن براءته من هذا الحاكم وجنده، لأنّه من أقسام الطاغوت التي أمرنا الله باجتنابها، ثمّ هناك حُكم شرعيّ عملي معلّق بهذا التصوّر، وهو أن الحاكم إذا كفر وجب الخروج عليه بالإجماع، ولا يجوز للمسلمين أن يقبلوا به، أو يطيعوه، بل عليهم أن يسعوا بكلّ جهودهم وطاقتهم لإسقاطه واستبداله، ولذلك نرى الكثير ممّن حول الشيخ لا يأبهون بمثل هذه الأمور، فتجد أحدهم صار معاونًا للحاكم أو داخلًا في طائفته، ولا يُنكر عليه من قبل هذا الفكر، فمثلًا محمّد إبراهيم شقرة وهو رجل مقرب من الشّيخ ناصر، هذا الرجل يعمل مستشارًا لوليّ عهد الطاغوت في الأردن، وهو لا يرى بأسًا بموالاة هذا الحاكم والدّخول في نظامه وطائفته، ثمّ هناك رجلٌ مقرّب من هذا التيّار هو بشّار عوّاد معروف، وهو رئيس جامعة صدام الإسلامية في العراق، وهو رجلٌ من رجالات المرتدّ صدّام، بل يُعتبر سفيرًا لصدّام عند الكثير من الحركات الإسلامية.
ثم إنّ المعتقدين بإسلام هؤلاء الحكّام وأنّهم لم يخرجوا من دين الله تعالى يرى أنّ جماعات الجهاد التي تسعى جاهدة في مجاهدة هؤلاء الطواغيت واستبدالهم هم أهل فتنة وضلال، بل ينبزونهم بأنّهم من فكرِ الخوارج، بل لا يتورّعون في تسميتهم بأسماء أطلقها الكفّار عليهم كجماعات العنف، أو الإرهابيين، بينما يعتقد من آمن بكفر هؤلاء الحكّام أنّ من دخل في طاعة هؤلاء الحكّام ووالاهم هو إمّا كافرٌ مرتد أو جاهل بحقيقة الواقع، لكنّ جهله هذا لا يمنع من دخوله في مسمّى الطائفة الممتنعة التي أجمع العلماء على قتالها كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية.
وعلى هذا فإن الخلاف في تكفير هذا الحاكم وعدم تكفيره هو مسألة مهمّة ينبغي أن ينظر إليها بعين الأهمّية، وخاصّة حين يكون كفره متعدّيًا إلى غيره كما هو واقع الآن، فإنّ كفر الحاكم ليس مقصورًا عليه في مسألة اعتقادية، بل هو في مسألة متعدِّية، وهي إجبار الناس على الدخول في أحكام المشركين، وإجبارهم على التّقاضي إلى الطّاغوت، ثمّ إنّ السّكوت على هذا الأمر أوقع الناس في بلاءٍ عظيم شديد، وهو أنّ هؤلاء الحكّام فرضوا من الأنظمة والقوانين الكافرة وأجبروا النّاس الاحتكام إليها، ثمّ عَمِلوا بكلِّ جهودهم على تسهيل خروج الناس من دين الله تعالى، فإنّهم حسّنوا للنّاس الكفر والعلمانية، وصوّروا لهم أنّ حسن المعيشة وطيب الحياة لا يقع إلا بولوجهم في المعاصي كالرّبا والزنا وشرب الخمر، وعلى هذا فإنّ الكثير من الدول عاد أهلها إلى الجاهليّة الأولى، حيث ترك الناس آخر حلقة تربطهم بالإسلام وهي الصلاة، وهذا كلّه لم يقع إلا بسبب هذه الطوائف الحاكمة، والسّكوت عليها.
إنّ الواجب على العلماء والدعاة أن يدرسوا هذه المسألة دراسة واعية، ويتجرّدوا في البحث وصولًا إلى الحقّ، وما أظنّ أن تكون هذه المسألة (مسألة تكفير الحاكم) هي من المسائل المتشابهة التي يجوز فيها الخلاف، لأنّها متعلِّقة بالأصول العظيمة التي أبان الشارع أمرها حقّ البيان، وليست هي بأقل أهمية من أحكام الجنائز وغيرها، بل هي فيصل الصّدق بين الإيمان بالله والإيمان بالطاغوت، بل بين قتال المؤمنين في سبيل الله وبين قتال جند الطاغوت في سبيل الشيطان ودين الملك.
ثمّ ألا تستحق هذه المسألة أن تبحث كمسألة تحتاج إلى تصفية ما علق بها من شوائب فكر الإرجاء المنحرف، وتصفية إرادة المسلم من فكر الصوفيّة المهترئ؟.